ثم إن الله بكمال رحمته و إحسانه لا يعذب أحدا إلا بعد إرسال رسوله إليهم و إن كانوا فاعلين لا يستحقون به الذم و العقاب , كما كان مشركو العرب و غيرهم ممن بعث إليهم رسول , فاعلين للسيئات و القبائح التي هي سبب الذم و العقاب و الرب تعالى مع هذا لم يكن معذبا لهم حتى يبعث إليهم رسولا و الناس لهم في هذا النقام ثلاثة أقوال , و قال بكل قول طائفة من المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة .
طائفة تقول: إن الأفعال لا تتصف بصفات تكون بها حسنة و لا سيئة البتة .
وطائفة تقول: بل الأفعال متصفة بصفات حسنة و سيئة و هذا يعلم بالعقل و يستحق العقاب بالعقل .
وطائفة تقول: بل هي متصفة بصفات حسنة و سيئة تقتضي الحمد و الذم و لكن لا يعذب أحد إلا بعد بلوغ الرسالة هذا أصح الأقوال و عليه يدل الكتاب و السنة فإن الله أخبر عن أعمال الكفار بما يقتضي أنها سيئة قبيحة مذمومة , قبل مجيء الرسل إليهم , و أخبر أنه لا يعذبهم إلا بعد إرسال رسول إليهم قال تعالى:"و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا"و هذه الآية حجة على الطائفتين السابقتين و القرآن دل على ثبوت حسن و قبح قد يعلم بالعقول , و يعلم أن هذا الفعل محمود و مذموم ,
و دل على أنه لا يعذب أحدا إلا بعد إرسال رسول .
وصلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه ...