ولعل عبارة ابن القيم في مدارج السالكين تكون توفيقية في قضية الحسن والقبح عندما يقول: إن قبح الفواحش يدركه العقل إلا أن الشرع هو الذي يحدد العقاب"."
وقد نشأ عن الاختلاف حول التحسين والتقبيح الخلاف بين المالكية وغيرهم حول مفهوم الطيب والخبيث في قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف:157] .
فذهب المالكية إلى الرجوع إلى النصوص الأخرى لتعين الطيب والخبيث، فكل ما لم يحرمه الشرع فهو طيب، فأجاز أكل الحيّات إذا أمن سُمها، وخشاش الأرض والأوزاغ ونحوها، وحرم الشافعي ذلك قائلًا: إن الخبث هنا هو خبث طبعي أي ما استخبثة الإنسان"."
واختار القول بالحسن والقبح العقليين الأحناف، وهو مروي عن أبي حنيفة نفسه، واختاره أبو الخطاب الكلوذاني وأبو الحسن التميمي من الحنابلة، ومن الشافعية أبو علي بن أبي هريرة وأبو بكر القفال الشاشي الكبير.
واختار إمام الحرمين القول بالتحسين والتقبيح العقلين في أفعال العباد دون أفعال الله تعالى، وتبعه الغزالي، ويتداخل في نظرة المسلمين إلى حد كبير الحسن والخير.
وبالجملة: فإن من يقول بالتحسين والتقبيح العقليين يجعل أساس القيم العقل، وهو أمر مشترك بين الإنسانية جمعاء، فالعدل حسن والجور قبيح إلى آخر قائمة القيم، فكما قال ديكارت: إن العقل هو أحسن الأشياء توزعًا بالتساوي بين البشر كلهم"."
إنه مهما استغرق المرء في مجادلات فكرية حول المبدأ المطلق والنسبي، وتلوت به النظريات الفلسفية في معارج منعرجات لا نهاية لها، فإن من البديهي أنه توجد قيم مشتركة وأن اللغة خير برهان على ذلك.
ففي كل لغة كلمة"العدل"كلمة نبيلة حبيبة على النفوس، وكلمة"الصدق"، وكلمة"الحرية"،"التسامح"،"الوفاء"وغيرها من الألفاظ المحمودة عند كل الأقوام.
وفيها نقيض تلك الألفاظ وهو مذموم لا يقبله أحد مثل"الجور"،"الظلم"، فلو قلت لأشد الناس جورًا إنه جائر لسخط من ذلك وأحب أن يوصف بالعدل"الكذب"حتى الكذّاب لا يريد أن يوصف بذلك،"التعصب"،"الخيانة"،"الغدر"، إنها صفات مذمومة كريهة إلى النفوس ممقوتة من جميع الأقوام، الفطرة والعقل يمجّانها. أليس ذلك دليلًا عمليًا وبرهانًا ساطعًا على وجود قيم مشتركة؟
وأود أن أشير هنا إلى أن لغة العبادة للخالق قيمة مشتركة متأصلة في كل المجتمعات، أو بعبارة أدق التهيؤ للعبادة، ففي كل اللغات توجد كلمة العبادة للخالق، أما في الأديان التي أصلها