المقصود من هذا أن الأشاعرة ردوا على المعتزلة في خلق القرآن، وأصل مذهب ابن كلاب في هذه المسألة أنه توسط ما بين قول أهل الحديث -لأنه خالط أهل الحديث- وما بين قول المعتزلة فأتى بهذا الشيء الذي هو: أن القرآن معنى؛ لأن الذي من أجله قيل إن القرآن مخلوق هو أن كلام الله جل وعلا أصوات وحروف وأنه يُسمع فقال ننفي هذه ونبقي كلام الله جل وعلا غير مخلوق وأنه على حقيقته؛ ولكن نقول هو معنى دون لفظ، دون سماع.
إذا تبين ذلك فنأخذ من هذا تفصيل وهو أن دلالة الكلام على اللفظ والمعنى فيها مذاهب:
مذهب أهل السنة والجماعة وأهل الحديث والأثر: أن الكلام والقول إذا أُطلق يعني إذا قيل الكلام كلام فلان قول فلان قول الله جل وعلا فإنه يراد به شيئان معا دون تفريق بين والواحد والآخر؛ يراد به اللفظ والمعنى جميعا.
والثاني مذهب المعتزلة: وهو أن الكلام هو في المعنى وفي اللفظ مجاز.
والثالث وهو مذهب الكلابية: وهو أن الكلام للمعاني ولكن الحديث إخراجه هذا دليل عنه، واستدلوا على هذا بقول الأخطل في الشعر المشهور المعروف عندهم في الاستدلال:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
والكلام على هذا البيت ورد الاستدلال به إلى آخره مرّ معنا في الواسطية فنحيلكم عليها؛ لأنه معروف مشهور كررناه أكثر من مرة.
نرجع على أصل المسألة وهو أن الكلابية والأشاعرة قالوا إنّ الكلام معنى؛ كلام الله جل وعلا معنى، ألقاه في روع جبريل، وهذا لأجل أنهم أصلوا تأصيلات، ومنها أن الكلام لا يدل على الإخراج وإنما يدل على ما قام في النفس، كما استدلوا بهذا البيت، لهذا ذكرت لكم في أول الكلام تعريف كلّم وكَلَمَ وهذه المادة واشتقاقها ليبطل معه قول من قال إن الكلام معنى، فإن اللغة دلت على أن الكلام لابد أن يكون لفظا ومعنى، وحتى كلمة لفظ تدل على شيء ملفوظ مفرد، وما أحسن قول المعري وإن كان ليس مجال احتجاج قال:
من الناس من لفظه لؤلؤ يبادره اللقط إذ يلقط
وبعضهم قوله كالحصى يقال فيلغى ولا يصغى له