ثالثا: عن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ينحر إبلًا ببوانة [1] فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت، أن أنحر إبلًا ببوانة؟ فقال النبي صلي الله عليه وسلم: (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد) ؟ قالوا: لا، قال: (فهل كان فيها عيد من أعيادهم) ؟
قالوا: لا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَوْفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) . ... [رواه أبو داود .. وصححه الألباني] .
قال ابن تيمية: [أصل هذا الحديث في الصحيحين، وهذا الإسناد على شرط الصحيحين وإسناده كلهم ثقات مشاهير، وهو متصل بلا عنعنة] .
فوجه الدلالة في الحديث كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [فإذا كان صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يذبح في مكان كان الكفار يعملون فيه عيدًا، وإن كان أولئك الكفار قد أسلموا وتركوا ذلك العيد، والسائل لا يتخذ المكان عيدًا بل يذبح فيه فقط (علمًا بأن العيد لم يكن موجودًا وقت السؤال) . فقد ظهر أن ذلك سد للذريعة إلى بقاء شيء من أعيادهم، خشية أن يكون الذبح هناك سببًا لإحياء أمر تلك البقعة، وذريعة إلى اتخاذها عيدًا مع أن ذلك العيد إنما كان يكون - والله أعلم - سُوقًا يتبايعون فيها ويلعبون، كما قالت له الأنصار: يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية. لم تكن فيه أعياد الجاهلة عبادة لهم، ولهذا فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين كونها مكان وثنٍ، وكونها مكان عيد] . ثم قال رحمه الله: [وإذا كان الشارع قد حسم مادة أعياد أهل الأوثان خشية أن يتدنس المسلم بشيء من أمر الكفار، الذين قد يئس الشيطان أن يقيم أمرهم في جزيرة العرب، فالخشية من تدنسه بأوصاف الكتابيين الباقين أشد، والنهي عنه أوكد. كيف وقد تقدم الخبر الصادق بسلوك طائفة من هذه الأمة سبيلهم!!] . أ. هـ كلامه.
رابعًا: ومن حديث عائشة رضي الله عنها - كما في الصحيحين - قال صلى الله عليه وسلم: (إن لكل قوم عيدًا، وإن عيدنا هذا اليوم) .
قال الحافظ الذهبي رحمه الله في كتابه: تشبه الخسيس بأهل الخميس: [فهذا القول منه صلى الله عليه وسلم يوجب اختصاص كل قومٍ بعيدهم،
(1) بوانة: هضبة وراء ينبع قريبة من ساحل البحر. انظر معجم البلدان لياقوت الحموي.