السوي, وعمله من الأعمال التي تسخط الله ولا ترضيه، وليست هي من الأعمال التي يرتضيها الله لصفوة عباده المسلمين .... قال عز وجل: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168] ، وقال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6] ، يقول المفسرون: أي لا تتبعوا طرائقه ومسالكه التي أضل بها أتباعه.
ثم إن النهي يحمل على التحريم لا الكراهة، وليس في النص إشارة كافية للحمل سواء على التحريم أو الكراهة، ولكن أدلة السحر العامة في حكمه وحكم فاعله وحكم طالبه ترجح حمل هذا النهي على التحريم لورود الزجر والعقاب وترتب الإثم الكبير على ذلك, ومنها .. قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 102] ، أي من استبدل دينه بالسحر فإنه لا نصيب له، وعد الرسول صلى الله عليه وسلم السحر عامة من الموبقات المهلكات في الحديث الذي أخرجه البخاري، وقال: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له) .
والأدلة في هذا المعنى كثيرة، ويستفاد منها التحريم لا الكراهة، والنصوص القرآنية تبين أن السحر كفر والساحر كافر، وتنهى عن طلب السحر واستبداله بالدين؛ فالنصوص عامة أو قد تكون مجملة، وإن كانت مجملة فهي تحتاج لما يبينها، وفي السنة ما يبينها؛ فالنشرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها: (هي من عمل الشيطان) ، وبين الرسول أن إتيان الساحر كفر بما أنزل الله وهو القرآن، وهذا عام؛ سواء كان الإتيان لتعلم السحر، أو كان لسؤال الساحر عن المغيبات، أو لعمل السحر للآخرين، أو كان للنشرة، كما دلت النصوص، والتفريق بين ما جمع بينه النص بغير قرينة صحيحة لا يجوز.
ثم إن الرسول صلى اله عليه وسلم لم يصدر هنا حكمًا جديدًا أو وصفًا خاصًّا بالنشرة؛ لأن السحر أخبر الله عنه أنه من عمل الشيطان بدلالة قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة: 102] ، قال ابن باز -رحمه الله-:"هنا في هذه الآية تحذير من تعلم السحر وتعليمه؛ لأنه من عمل الشيطان، َولأنه كفر ينافي الإيمان"ا. هـ.
فالذي يخلص إليه بعد النظر في الأدلة والقرائن، وبعد التتبع لهذه العبارة في أحكام القرآن والسنة، بيان أن وصف النشرة بأنها من عمل الشيطان كان كافيًا لنعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أراد فيها التحريم؛ لأنه ألصقها بوصفٍ مقتضٍ للنهي في الشرع دائمًا، ولا يدل على الإباحة ... فما زعموه مغاير لمقتضى الكتاب والسنة.