ولم يكن في العقائد البابية وفى تعاليمها السرية ما يمنع مثل هذا الادعاء، فالإمام مظهر من مظاهر الله في أرضه، وواسطة تبليغ للناس لانكشاف الحقائق له، فإذا حصل من هو في رتبته في الكشف فلا مانع هناك أن ينال عين الرتبة.
وهذا ما دعا الباب أن يظهر بمظهر أرقى من الدعوة السابقة، فيدعى أنه أفضل من محمد - صلى الله عليه وسلم - صاحب الدعوة الإسلامية العظمى، وأن تعاليمه التى جمعها في بيانه أفضل من تعاليم نبى المسلمين في قرآنه، وأن محمدًا إذا كان قد تحدى الناس بالإتيان بسور الفرقان المبين، فإن الباب يتحدى الجميع بالإتيان بباب من أبواب بيانه العظيم [1] .
وقد صادفت دعوته بعض النجاح عند عدد قليل من أبناء وطنه شيراز، ولما شكا العلماء من ذلك، استدعى حاكم شيراز دعاة الباب وحقق معهم فلم يخفوا عنه شيئًا، فاستفتى العلماء في شأنهم فأفتوا بكفرهم ووجوب قتلهم، ولكن الوالى اكتفى بنفيهم من شيراز، وأرسل بعض جنوده إلى أبى شهر فجاؤوا بالباب، وعقد مجلسًا من العلماء والفقهاء وأحضر الباب ليناظرهم، فانقسم العلماء في أمره، فمنهم من أفتى بقتله، ومنهم من قال باختلال عقله، أما الوالى فقد أمر به فجرده من الملبس وأوسعوه ضربًا مبرحًا [2] .
وقد هم الوالى بقتله فإذا بالباب ينكر أنه وكيل القائم الموعود، أو الواسطة بينه وبين المؤمنين، فتركه الوالى مع خاله ميرزا على الشيرازى على أن يحضره يوم الجمعة إلى المسجد ليعلن توبته على رؤوس الأشهاد، فلما حل اليوم المذكور صعد الباب على المنبر وقال:
(1) ... نفس المصدر: ص22 بتصرف.
(2) ... المصدر السابق: ص23. وذيل الملل والنحل: ص46.