... وأما الثانى، وهو أن يراد المعنيان معًا، فذلك أيضًا ممكن، إذ الفرقة المنبه عليها قد تحصل بسبب أمر دنياوى لا مدخل فيها للبدع، وإنما هى معاصى ومخالفات كسائر المعاصى.
... وإلى هذا المعنى يرشد قول الطبرى في تفسير الجماعة -حسبما يأتى بحول الله-.
... غير أن الأكثر في نقل أرباب الكلام وغيرهم أن الفرقة المذكورة إنما هى بسبب الابتداع في الشرع على الخصوص، وعلى ذلك حمل الحديث من تكلم عليه من العلماء، ولم يعدوا منها المفترقين بسبب المعاصى التى ليست ببدع، وعلى ذلك يقع التفريع إن شاء الله.
المسألة الثالثة
... أن هذه الفرق تحتمل من جهة النظر أن يكونوا خارجين عن الملة بسبب ما أحدثوا، فهم قد فارقوا أهل الإسلام بإطلاق، وليس ذلك إلا الكفر، إذ ليس بين المنزلتين منزلة ثالثة تتصور.
... ويدل على هذا الاحتمال ظواهر من القرآن والسنة.
... ويحتمل أن (لا) يكونوا خارجين عن الإسلام جملة، وإن كانوا قد خرجوا عن جملة من شرائعه وأصوله، ويدل على ذلك جميع ما تقدم فيما قبل هذا الفصل، فلا فائدة من الإعادة.
... ويحتمل وجهًا ثالثًا، وهو أن يكون منهم ممن فارق الإسلام، ومقالته كفر، وتؤدى معنى الكفر الصريح، ومنهم من لا يفارقه، بل انسحب عليه حكم الإسلام، وإن عظم مقاله وشنع مذهبه، لكنه لم يبلغ به مبلغ الخروج إلى الكفر المحض والتبديل الصريح.
... ويدل على ذلك الدليل، بحسب كل نازلة وبحسب كل بدعة، إذ لا يشك في أن البدع يصح أن يكون منها ما هو كفر، كاتخاذ الأصنام لتقربهم إلى الله زُلفى، ومنها ما ليس بكفر، كالقول بالجهة عند جماعة، وإنكار الإجماع، وإنكار القياس... وما أشبه ذلك.
... وإذا تقرر نقل الخلاف، فلنرجع إلى ما يقتضيه الحديث الذى نحن بصدد شرحه من هذه المقالات.
... أما ما صحَّ منه، فلا دليل على شىء، لأنه ليس فيه إلا تعديد الفرق الخاصة.