... وإنما يراد افتراق مقيد، وإن لم يكن في الحديث نص عليه، ففى الآيات ما يدل عليه: قوله تعالى: { ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون } [1] ، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على التفرق الذى صاروا به شيعًا، ومعنى"صاروا شيعًا"، أى: جماعات بعضهم قد فارق البعض، ليسوا على تآلف ولا تعاضد وتناصر، بل على ضد ذلك، فإن الإسلام واحد، وأمره واحد، فاقتضى أن يكون حكمه على الائتلاف التام لا على الاختلاف.
... وأما إذا تعلقت كل شيعة بحبل غير ما تعلقت به الأخرى، فلا بد من التفرق، وهو معنى قوله تعالى: { وأن هذا صراطى مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } [2] .
... وإذا ثبت هذا، نزل عليه لفظ الحديث، واستقام معناه، والله أعلم.
المسألة الثانية
... أن هذه الفرق إن كانت افترقت بسبب موقع في العداوة والبغضاء فإما أن يكون راجعًا إلى أمر هو معصية غير بدعة.
... وإما أن يرجع إلى أمر هو بدعة، كما افترق الخوارج من الأمة ببدعهم التى بنوا عليها في الفرقة، وهذا هو الذى تشير إليه الآيات المتقدمة والأحاديث، لمطابقتها لمعنى الحديث.
... وإما أن يراد المعنيان معًا.
... فأما الأول، فلا أعلم قائلًا به -وإن كان ممكنًا في نفسه- إذ لم أر أحدًا خصَّ هذه بما إذا افترقت الأمة بسبب أمر دنياوى لا بسبب بدعة، وليس ثم دليل على التخصيص، لأن قوله عليه الصلاة والسلام: (من فارق الجماعة قيد شبر ...) [3] الحديث، لا يدل على الحصر، وكذلك: (إذا بويع الخليفتان، فاقتلوا الآخر منهما) [4] .
(1) ... الروم: 31-32.
(2) ... الأنعام: 153.
(3) ... أخرجه ابن حبان (ح6233 - الإحسان) وابن خزيمة (930) والحاكم (1/118) والترمذى (2863، 2864) . قال الترمذى: حديث حسن صحيح غريب. وصححه الألبانى (صحيح الجامع 6410) .
(4) ... أخرجه مسلم (1853) (61) كتاب الأمارة.