الصفحة 301 من 677

... ولا شك أن هذه الطريقة الجدلية لا تقف أمام مجادل جَلْد، إذ أنه كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رده عليهم - أن إمكان الوقوع لا يعني بالضرورة تحقق الوقوع، والممكنات كثيرة لا تدخل تحت حصر ولكن الموجودات لا تمثل إلا جزءًا منها، فما يمنع -حسب قولهم- أن يكون اليوم الآخر من هذا الممكن الذي لا يتحقق؟.

مآخذ أهل السنة على علم الكلام ومنهجه:

أولًا: مخالفة منهج علم الكلام للمنهج القرآني في عرض العقيدة:

... ذكرنا في بداية هذا الفصل لمحة عن نهج القرآن في مخاطبة الناس، وأنه يخاطب الفطرة والعقل والقلب والشعور معًا، ونزيد الأمر إيضاحًا ليتبين لنا أن علم الكلام قد انتهج الطريقة العويصة الباردة التي لا هي طريقة قرآنية شرعية، ولا هي طريقة عقلية تصمد أمام مقررات العقل القوي الحجة، السليم الاستنباط في كثير من الأحيان.

... ولنعد إلى المثال السابق عن إثبات اليوم الآخر لنرى الفرق واضحًا بينه وبين المنهج القرآني.

... فالقرآن قد أثبت وجود اليوم الآخر بأدلة سهلة ميسرة، بعكس علم الكلام الذي حاول إثباته أولًا كقضية ذهنية، بأن قرر عدم استحالة ذلك، ثم انتقل إلى تقرير وجوده في الحقيقة بناءً على تلك المقررة الذهنية. أما القرآن فقد نحا منحى عقليًا واقعيًا سهلًا ليصل إلى النتيجة المؤكدة.

... فالإنسان يعلم إمكان وجود الشيء، تارة لعلمه بوجود نظيره أو ما يشبهه، وتارة بعلمه بوجود ما هو أكبر وأولى من هذا الشيء.

... فإن ثبت إمكان وجود الشيء بهذين المسلكين، فلابد من بيان قدرة الله سبحانه على تحقيق وجوده بالفعل، فإن ثبت ذلك الأمر، كان لابد من بيان الفائدة التي تترتب على إيجاده بالفعل، إذ أن إمكان تحقق الفعل وقدرة الله سبحانه على إيجاده، وقد لا تعني إيجاده بالضرورة، بل تبقى الفائدة والغاية والمصلحة المتحققة من هذا الأمر، حسب حكمة الله سبحانه في إيجاده له.

... وقد كان ذلك تمامًا منهج القرآن في إثبات ذلك الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت