... لكن الأمر لم يستقم على هذا المنوال، فما أن قضى جيل الصحابة -أو كاد- وما أن فتحت البلدان على المسلمين وتوسعت الرقعة التي يظلها الإسلام بظله، حتى تأثر المسلمون بما وفد عليهم من عوامل ومؤثرات وحتى اختلطوا بأبناء الأمم المفتوحة، الذين كانوا متأثرين بسابق حضاراتهم، وما تحمله ثقافاتهم ودياناتهم من أفكار ومعتقدات، بل ومناهج نظر وبحث تختلف باختلاف تلك الأمم. إلى جانب أن الكثير من أبناء تلك الأمم قد دخلوا الإسلام حاملين ذلك التراث المثقل بركام التصورات القديمة، والمناهج الضالة فكانوا كبذور الفتنة وقد ألقيت في تربة الإسلام، فترعرع منها ما ترعرع من شقاق وتفرق، هذا إلى جانب ما سبقت الإشارة إليه من اتساع نطاق الترجمة والنقل من الثقافات الأخرى خاصة اليونانية في مجال الفلسفة والمنطق.
... كل تلك العوامل أدت إلى نشأة ما عرف بعلم"الكلام"أو"علم التوحيد"كما أطلقوا عليه.
... قد ارتبط علم الكلام هذا منذ أول نشأته بظهور فرقة المعتزلة أو ظاهرة"الاعتزال"في الواقع الإسلامي، وإن تسرب بعد ذلك إلى طوائف أخرى من الفرق المبتدعة كالروافض والمرجئة، بل شاع في أوساط كثير من العلماء وكتاباتهم منذ عهد أبي الحسن الأشعري ومن انتسب إليه من الأشاعرة الذين وإن خالفوا المعتزلة في العديد من القضايا، إلا أنهم وافقوهم في انتهاج منهج الكلام في صياغة العقيدة، وقد سمي من انتمى لذلك النهج"المتكلمين"، فكان هناك متكلمو المعتزلة، ومتكلمو الأشاعرة، ومتكلمو الروافض ...
تعريف علم الكلام وأمثلة منه:
... تعريف هذا العلم عند أهله -على اختلافهم في تعريفه- أنه: العلم بالعقائد الدينية عن طريق الأدلة اليقينية (أي العقلية في اصطلاحهم) [1] .
... لا بأس هنا أن نعرض مثالين يوضحان طريقة تناولهم لمسائل العقيدة الإسلامية، والمنهج الذي انتهجوه لإثباتها:
أولًا: إثبات وجود الله سبحانه:
(1) ... المقاصد للتفتازاني.