وهذه قمة التجرد لله وتوحيده، ودليل إخلاص المساجد له من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، والآية تحريض على التوجه لله وحده؛ لأنه الذي يملك الضر والرشد، كما أن فيها تحريضًا على الاعتماد على مواهب الله للنفس البشرية والسعي الذاتي كمنهجية سليمة وكجزء من الطريقة (81) .
سؤال (3) :
إن الآيات السابقة قد نزلت فيمن عبد الأصنام، فكيف تجعلون الأنبياء والصالحين كالأصنام؟
الجواب:
أولًا: قبل الرد على الشبهة لنتذكر الآيات الكريمة الآتية، قال تعالى: (( وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) ) [فاطر:22] .. وقال تعالى: (( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) ) [النحل:20-21] .
ولنسأل أنفسنا التساؤل الآتي: هل الأحجار تبعث الأموات ؟!
الجواب البديهي أن نقول: لا، فهي تماثيل للصالحين، وقوله: (والذين) هي أداة صلة موصولة بالعقلاء على الدوام، وليس لها علاقة بالجمادات.
ثانيًا: إن الآيات نزلت في عبادة المشركين، ومن ماثلهم ممن جعل الوسائط من الأولياء والصالحين بينهم وبين الله في عباداتهم، سواء كان توسلًا أو استغاثة أو شفاعة أو غيرها من العبادات، وسواء أكان عن طريق الأصنام أو الصور أو الأضرحة أو آثارهم.
فالنصارى يتوسلون ويتشفعون بعيسى وبأمه مريم العذراء عليهما السلام ومشركو العرب في الجاهلية يتوسلون ويتشفعون باللات والعزى ومناة وآلهة أخرى من الأولياء والصالحين.
قال مير سيد علي الطهراني:
ولما اعتذر المشركون: إننا لا نعبد هؤلاء الأصنام لاعتقادنا أنها آلهة مستقلة، وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين فنحن نعبدها لأجل الشفاعة (82) .