خبرني يا سماحة الشيخ، وإلا فأنا أخبرك: إنهم جاءوا به من منبع الصوفية الأول، وهو طقوس الهندوكيين، الذين لا يعرفون لهم ربا إلا سادتهم وكبراءهم، ورجومهم وطواغيتهم، وما دانوا به لكل مادة عظمت في عيونهم العمياء، وكبرت في نفوسهم المظلمة من كواكب وصخور، بل وبهائهم وأنعام، دخلت من مسارب ما زعموه فلسفة، وتغلغلت حتى أرتهم كل نعم الله حقيرة، وأنه لا سمو ولا عظمة إلا في أن يتحدوا بمن أوحى إليهم الشيطان أنه الحقيقة الأولى التي صدر عنها كل الموجودات، وهذا هو
أساس زهد الصوفية، وعليه قام دين الصوفية ويقوم من قديم وحديث إلى أن يطهر الله
القلوب والأرض منها.
إن في الإسلام شريعة الروح والجسد، فلِمَ لا تعبدون الله بما شرع الله، لا بما شرعه لكم زعماؤكم، إن التصوف العملي عندكم قائم على الزهد والعبادة، ولكن زهد الصوفية غير التقوى المقررة في الإسلام، والعبادة في الصوفية غيرها في الإسلام، فلِمَ
لا تعبدون الله بما في القرآن والسنة؟
ولكني فوق هذا لا أرى عندكم زهدًا ولا أرى عبادة، أو لعلني أرى زهد ذلك الذي يجمع قوت الفقراء لتتخم به بطون الصوفية الزعماء، أو زهد ذلك النهم المستشري، وذلك التكالب الضاري على صناديق الأضرحة وسحتها؟ أو زهد. أو زهد؟
وهل عبادة تلك الرقَّصات وذلك التخلغ والتمجن التي تزعمونها ذكر الله؟
وهل عبادة تلك السَّجدات على الأنصاب، واللثمات للأصنام والاستشفاع بها؟
وهل عبادة تلك الصلوات الشرّكيَّة على من تزعمون أنه رسولكم؟ وهل.. وهل؟؟
فالجانب العملي من الصوفية كما ترى ــ يا سيدي ــ باطل وبدع، بل ومنكر وزور، فما بالك بالجانب النَّظريّ؟
إن التصوف النظري عندكم قائم على معرفة ربكم بالأذواق، واستشعار حقيقته بالمواجيد، وعلى أن الصوفي الحق من يرى أنه الرب، أو أن الرب حالٌّ فيه: أو أنه اتحد
بربه، كما تقول وحدة الوجود وزعيمها ابن عربي، أو كما تقول أسطورة الحلول وزعيمها