الطائفة الثالثة: من يقول: إن القرآن الذي هو صفة الله لم يأت إلى الرسول ولم يصل إلى الرسول ولم يصل إلى العباد. والذي يظهر لي أن هذا يصدق على مذهب الأشاعرة؛ لأن الأشاعرة كما تقدم يقولون: إن كلام الله معنى نفسي ليس بحرف ولا صوت، ولا يُسمع منه، ولا تتعلق به المشيئة، فهو معنى نفسي واحد قديم ـ كما سبقت الإشارة.
وعلى هذا فالقرآن الذي هو صفة الله وهو القائم به لم يصل إلينا. إذًا هذا القرآن الذي عندنا هو عبارة عن كلام الله، ليس كلام الله وليس هو القرآن على الحقيقة، وتسميته كلام الله أو تسميته القرآن إنما ذلك مجاز. فالذي يظهر إن المؤلف يرد على تلك الطائفة، ويُنكر على تلك الطائفة، ويستدل على بطلان قولهم بأن القرآن لم يصل إلينا بتلكم الآيات {وأوحي إلي هذا القرآن} أوحي إلي: إذًا هذا يدل على أنه وصل إليه وبلغه وأعلم به وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن
بلغ، وقال سبحانه وتعالى: {وقرآنا فرقناه} يعني فصلناه وأنزلناه شيئا بعد شئ {لتقرأه على الناس على مكث} إذًا وصل إلى الرسول ثم وصل إلى الناس بواسطة الرسول عليه الصلاة والسلام {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} .
وكذلك الآيات المتقدمة {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا} إذًا الجن سمعوا القرآن {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} إذًا ما سمعه الجن وما أوحي إلى الرسول وما بلغه الرسول كل ذلك هو القرآن، هو القرآن الذي هو كلام الله.
فهذه ثلاث طوائف يشير المؤلف إلى الرد عليها. من قال: القرآن مخلوق، ومن قال بالوقف، وقال: لا أقول مخلوق أو غير مخلوق، ومن قال: إن القرآن هو قائم بالله، هو لم يصل إلينا إلا ما هو عبارة أو حكاية عنه. وهذه كلها مذاهب