الصفحة 27 من 49

سبحانه وتعالى فليس معنى قوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [1] أنهم يملكون شيئًا من الربوبية وأنهم ينفعون ويضرون وأنهم يعطون الشفاعة وأنهم وأنهم .. كما يزعم القبوريون. فمن تعلق بالأولياء وطلب منهم الشفاعة وهم أموات أو طلب منهم الإغاثة وهم أموات أو طلب منهم قضاء الحاجات وهم في قبورهم فإنه مثل المشركين الأولين الذين قال الله فيهم: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} [2] هم يقولون نحن لا نعتقد أنهم يخلقون ويرزقون وإنما من أجل أن نجعلهم وسائط بيننا وبين الله لأنهم أولياء ونحن مقصرون ونحن مذنبون فهؤلاء بصلاحهم وجاههم ومكانتهم عند الله يشفعون لنا والله رد عليهم فقال:

{سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} فسمّى هذا شركًا وقال في آية أخرى: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [3] يريدون الوساطة فقط عند الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنهم معترفون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت فيعترفون بتوحيد الربوبية تمامًا كما ذكر الله عنهم، وإنما قصدوا بفعلهم هذا وساطة هؤلاء الصالحين عند الله فنذروا لهم وذبحوا لهم واستغاثوا بهم: يا سيدي اشفع لي عند الله، افعل كذا، هذا الذي يقولونه عند القبور هل هذا يختلف عما قاله المشركون من قبل، الذين رد عليهم جل وعلا بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [4] حكم عليهم بالكذب وحكم عليهم بالكفر فعملهم هذا كفر وكذب. وفي سورة يونس نزّه نفسه عن ذلك فقال: ... {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [5] سماه شركًا.

فالأولياء عباد صالحون لهم قدرهم ونحترمهم ونحبهم ونقتدي بهم في الأعمال الصالحة لكن ليس لهم شركة مع الله سبحانه وتعالى إنما هم مثلنا محتاجون إلى الله عز وجل فقراء إلى الله عز وجل {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} هذا عام {وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [6] كل الخلق فقراء إلى الله عز وجل بما فيهم الأنبياء والرسل، بما فيهم الملائكة عليهم السلام كلهم فقراء إلى الله سبحانه وتعالى، فهذا مما يزيل اللّبس لأن هؤلاء يأخذون بعض القرآن ويستدلون به ويتركون البعض الآخر؛ يأخذون الآية التي تمدح الأولياء وتثني عليهم ويتركون الآية الأخرى التي تبين أنهم لا يُعبَدُون من دون الله عز وجل وأنَّ مَن طلب منهم شيئًا وهم أموات فإنه مشرك كافر، يتركون هذه الآيات، فهذا من الزيغ الذي ذكره الله سبحانه وتعالى. فلتكن عندك هذه القاعدة أن الإنسان مهما بلغ من الصّلاح والكرامة والمنزلة عند الله فإنه ليس له من الربوبية شيء وإنه لا يُدعى مع الله وإنه لا يكون له شيء من العبادة وهو لا يرضى بذلك. فالأولياء والصّالحون على الحقيقة لا يرضون بذلك وينهون عنه أشد النهي إنما يرضى بذلك الطواغيت الذين يدعون الناس إلى عبادة أنفسهم. أما أولياء الله فحاشاهم من هذا لا يرضون به وإنما يرضى به أولياء الشيطان هذا معنى قول الشيخ رحمه الله.

(لكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يخالف كلام الله) فيجب رد النصوص بعضها إلى بعض وتفسير بعضها ببعض حتى يتضح المطلوب وهذا كما قال الشيخ جواب سديد تجب العناية به لأنه مبني على كتاب الله فمن وفّق له فهو ذو حظ عظيم.

(1) يونس:62

(2) يونس:18

(3) الزمر:3

(4) الزمر:3

(5) يونس:18

(6) فاطر:15

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت