الصفحة 66 من 66

وهذا اليقين جاء تفصيله في الشعراء بقوله تعالى على لسان موسى لما تراءا الجمعان: (كلا إن معي ربي سيهدين ) ) فهذا هو اليقين الذي نجى موسى عليه السلام بعد أخذه بالأسباب.

وهو ذاته الذي نجى محمدا عليه الصلاة والسلام وصحبه يوم أن قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ..

فرسول الله نفر في هذه الغزوة دارعا وليس حاسرا راكبا وليس راكضا فكان هذا أخذا بالأسباب ثم أردفها بتوكل واحتساب ملأ الأكنان فكان نصرا بلاقتال.

ونجاة بلا كد ولا شقاء.

ومتحمسون نظروا إلى موازين القوة بنظرة صوفية متكلة فانطلقوا حاسرين غير متترسين ولا متمرسين .. فأرادوه جهاد أصحاب الزوايا والتكيات فسلوا خرقا ليفلقوا بها الهامات ويدكوا بها القلاع العصيات ..

وهؤلاء أتوا من قلة صبرهم وجهلهم بسنن ربهم - تبارك وتعالى - ..

فالصبر شطر الإيمان وشرط النجاة من الخسران ..

وهو وصية الرحمن في آخر الزهراوين (( ياأيها الذين امنوا اصبروا ... )

فبقلة صبرهم حرقوا المراحل و وبقلته أيضا تزببوا قبل التحصرم وقفزوا قفزا يكسر الأقدام ليدركوا الغنائم وملذات الانتصارات .. فتعجلوا الخير قبل أوانه فعوقبوا بحرمانه .. لأنهم لم يخلقوا ليعلوا وينتصروا إنما خلقوا ليبتلوا ويعبدوا فالنصر والظفر ثمرة الصبر وحسن العبادة لا بذرته وأساسه فمن نكسها انتكس وارتكس واذا شيك ما انتقش.

وجهلوا أن السنن الكونية لا تحابي أحدا فالغلبة والظفر للمصابر المثابر لا للمتعجل المتكاسل .. فلا بد من النضوج والرسوخ ولا بد من الأطوار والفصول ..

فالسنن لا تحابي نبيا مرسلا ولا صديقا مقربا ..

لذلك أخذ بها النبيون والصديقون ..

فرسول الله صلى الله عليه وسلم أتى أبا بكر يوم الهجرة في وقت قيظ تسكن فيه الأعين والأعداء .. ثم طمس مسيره بدوس الأنعام والأغنام .. ثم كمن في الغار ثلاث أيام .. ثم سلك سيف البحر مخالفا لما اعتاده الأنام .. و انتقى له أرضا ذات نخل وأكمام .. وتكفيه المؤونة وحاجة الناس و حرة بين لابتين تقيه شر أهل الطغيان .. وفي المدينة أبرم مع اليهود العهود ولم يقاتلهم إلا بعد نقضهم العهود .. ولما أحاطت به قريش وغطفان خندق الخنادق وكاد الأعداء بالمكائد ثم أراد أن يعامل غطفان بثلث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت