الصفحة 65 من 66

فصل

والحق بين مستحسنين أعملوا السنن وأهملوا القدر ومتحمسين أعملوا القدر وأهملوا السنن.

فالمستحسنين نظروا إلى موازين القوة بنظرة رياضية بحتة فاستوحشوا من قلة السالكين وجزعوا من كثرة المخالفين .. فارتضوه جهادا بالشروط والوكالة بزعم تقاطع المصالح والحاجة ..

وهؤلاء أتوا من قلة يقينهم وضعف إيمانهم .. فجزعوا عند أول صدام فهرعوا إلى أقطاب ظنوا أن لن يكون جهاد إلا عبر قنواتهم ولا بقاء إلا بمهادنتهم .. فتراهم يعقدون الاتفاقات بأروقتهم ويحلون العقد بمشاورتهم .. بل قد لا يستطيبون المال إلا من خرقهم .. وليسوغوا باطلهم أدخلوا بينهم وبين الأقطاب حريرة ..

فمنهم من كانت حريرته السعودية ومنهم من كانت حريرته قطر ومنهم تركيا ومنهم خجل وجعل سنده الى الأقطاب بحريرتين

وتالله هو هو بيع عينة درهمين بدرهم أدخل بينهما حريرة.

وهؤلاء دخل عليهم إبليس من قلة يقينهم وضعف إيمانهم ..

فلم يعضوا على ما عض عليه هود ونوح.

قال تعالى على لسان هود: (( فكيدوني جميعا ثمّ لا تنظرون إنّي توكّلت على اللّه ربّي وربّكم" ) )"

وبها تحداهم فنجى وتخطاهم فعلا، وهم الغلظ العتاة أصحاب إرم ذات العماد العتية التي لم يخلق مثلها في البلاد

وقال تعالى على لسان نوح"فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمّة ثمّ اقضوا إليّ ولا تنظرون )) "

وبها جعلهم تعالى مغرقين مبتورين وجعله وذريته هم الباقون.

ولم يؤوا إلى ما أوى إليه لوط (( لو أن لي بكم قوة [أو آوي إلى ركن شديد)

لما عز عليه الناصر وانعدم من بين يديه المهند الصارم

وقالوا كما قال أصحاب موسى لما تراءا الجمعان ( .. إنا لمدركون .. )

لأن حساباتهم رياضية بحتة وعقولهم لا تدرك إلا الأسباب المجردة

فلم يدركوا أن النصر والنجاة لا يكونان إلا بأخذ بالأسباب وامتلاء القلب باليقين والإيمان ..

وهو مجموع في قوله تعالى (( فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون * واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون ) )

فالأولى (أسر بعبادي ليلا ) ) أخذا بالأسباب الظاهرة، والثانية (اترك البحر رهوا) يقينا وايمانا بقدرة الله وحوله، فبهما (الأخذ بالأسباب وحسن اليقين بالله) نجى موسى وهلك فرعون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت