فنجدكلمة المفسرين الذين مرَّ ذكرُهم متفقةً على أن الفقه في الآية هو الفهم، إلا ما ذكره الإمام البغوي حيث قال: (أن يفقهوه) أن يعلموه، قيل معناه: أن لا يفقهوه، وقيل: كراهة أن يفقهوه [1] .
الآية الثالثة: قوله تعالى: (قل هو القادرُ على أنْ يَبعثَ عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يَلبسكم شِيَعا ويُذيقَ بعضكم بأسَ بعض انظر كيف نصَرِّفُ الآياتِ لعلهم يفقهون) [2] .
قال الحافظ ابن كثير: (لعلهم يفقهون) : (أي: يفهمون ويتدبرون عن اللهِ آياتِه وحججَه وبراهينَه) [3] ، وقال الإمام الرازي: (ظاهر الآية يدل على أنه تعالى ما صرّف هذه الآيات إلا لمن فقه وفهم، فأما من أعرض وتمرد فهو تعالى ما صرّف هذه الآيات لهم، والله أعلم) [4] .
والفقه هنا هو الفهم، بينما نجد من فسر الفقه بالعلم، فهذا الإمام الواحدي يقول في قوله تعالى: (ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف) : (نبين لهم(الآيات) في القرآن (لعلهم يفقهون) لكي يعلموا) [5] .
والذي يظهر أن تفسير الفقه في هذه الآية متردد بين الفهم والعلم.
الآية الرابعة: قوله تعالى: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقرٌّ ومُسْتودعٌ قد فصَّلنا الآياتِ لقوم يَفْقهُونَ) [6] .
قال الإمام ابن عطية: (يفقهون معناه يفهمون) [7] ، وقال الإمام الزمخشري: (فإن قلت: لِمَ قيل:(يَعْلَمُونَ) مع ذكر النجوم، و (يَفْقَهُونَ) مع ذكر إنشاء بني آدم؟ قلت: كان إنشاء الإنس من
(1) تفسير البغوي 2/ 91.
(2) سورة الأنعام: 65.
(3) تفسير ابن كثير 2/ 144.
(4) تفسير الرازي 13/ 20.
(5) تفسير الواحدي 1/ 359.
(6) سورة الأنعام: 98.
(7) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 2/ 327.