فمن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدا له، كما قد يحب الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله -تعالى-، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله، وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة، وما عظم بغير الله، وما عظم بغير أمر الله فتعظيمه باطل.
قال الله -تعالى-: { قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ } (1) فجنس المحبة تكون لله ولرسوله، كالطاعة، فإن الطاعة لله ولرسوله، والإرضاء لله ولرسوله والله ورسوله.
المحبة مراتب، مراتب متعددة، وآخر المراتب -كما ذكر المؤلف- التتيم، وأولها العلاقة، أول مراتب المحبة العلاقة، سميت علاقة لتعلق القلب بالمحبوب، يتعلق ويميل إليه، ثم يليها مرتبة الصبابة، سميت صبابة لأن القلب ينصب إليه، ثم الغرام من مراتب المحبة: وهو الحب الملازم للإنسان، ومنه قوله -تعالى- في جهنم -والعياذ بالله-: { إِن عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) } (2) يعني: ملازمًا. ثم العشق من مراتب المحبة، وهذا لا يوصف الله به، وآخره التتيم، يقال:"تيم الله". أى: عبد الله. فالمتيم: المعبد لمحبوبة.
وبين المؤلف -رحمه الله- أن العبادة لا بد فيها من الخضوع والمحبة، الخضوع والذل والمحبة، فالإنسان في عبادته لله يخضع لله، مع حبه له وإجلاله وتعظيمه، لكن لو أحب شخصًا من المخلوقين، فإن خضع له وأحبه صارت هذه عبادة، أما إذا خضع لإنسان ولم يحبه فلا تكون عبادة، أو أحب إنسانا ولم يخضع له فلا تكون عبادة، لا بد من اجتماع الأمرين.
(1) - سورة التوبة آية: 24.
(2) - سورة الفرقان آية: 65.