و كذلك (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ(1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3 ) ) رب، ملك، إله دليل على أن العوذ لا يطلب إلا من الله سبحانه و تعالى فإنه الرب و الملك و الإله و هو نوع من العبادة و التأله، و هاتان السورتان هما المعوذتان خير ما استعاذ بهما الإنسان و للشيخ محمد بن عبد الوهاب شرح لطيف لهما موجود ضمن التفسير من كتبه و طبع منفردين اعتنى بتحقيقهما الشيخ الدكتور فهد ابن عبد الرحمن الرومي كتابان قيمان. يقول الشيخ محمد رحمه الله و أظن أنه استفاد من ابن القيم: إن الشرور التي تصيب الإنسان شرور خارجية و شرور داخلية من نفسه، الشرور الخارجية كيد الجن و الإنس و الحيوانات المؤذية، و الشرور الداخلية الوساوس و الأمراض ففي سورة الفلق تستعيذ بالله من الشرور الخارجية، في سورة الناس من الشرور الداخلية (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ(1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5 ) ) كلها شرور خارجية لكن (قُلْأَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ(1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5 ) ) هذه داخلية، الخناس: يعني الذي ينخنس يعني يختفي يهرب إذا استعيذ بالله منه كما قال عز و جل: (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا(46 ) ) فإذا غفل الإنسان عن ذكر الله رجع مرة أخرى و الشيطان يهرب إذا سمع الآذان ثم يعود إذا انتهى الآذان و لهذا قال عز و جل: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ(15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16 ) ) الكواكب و النجوم تخنس و تكنس الكنّس من الاكتناس وهو الاختفاء كنس الظبي يعني اختفى، تختفي ثم تخنس ترجع مرة أخرى ترجع إلى أفق السماء حينما يحين مطلعها و لهذا الاستعاذة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله كأن تستعيذ ببشر في كشف الكروب و في غفران الذنوب أو بجن أو ما أشبه ذلك هذا شرك أكبر و لهذا أنكر العلماء على المتنبي قوله:
يا من ألوذ به يا من أعوذ به مما أحاذره.
يا من ألوذ به فيما أُؤَمله ... و من أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره ... و لا يهيضون عظمًا أنت جابره
هذا و العياذ بالله لا يصلح إلا لله عز و جل و كثيرًا ما يحصل على ألسنة الشعراء شرك و مغالاة و لهذا يقول ابن القيم: سمعت شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية يردد هذه الأبيات في سجوده لله عز و جل:
يا من ألوذ به فيما أُؤَمله ... و من أعوذ به مما أحاذره