كقوله: (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ) و بهذا تعلم أن خشوع الصورة و البدن و القلب و البصر ... و الصوت لا يصرف إلا لله و صرفه لغير الله مهما كان شرك في العبادة لأن الخشوع كالخضوع ليس إلا لله عز و جل (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ) لغير الله مهما كان ذلك الغير و الصمود و الوقوف له و الخشوع و تسكين الصوت و طمأنينة البصر هذا ليس إلا لله عز و جل و الخشوع لغير الله لقبر أو غيره أو بشر أو غير ذلك هذا شرك في العبادة لأنه خالص حق الله عز و جل.
قال: و الخشية والإنابة. الخشية: أيضًا بمعنى الخوف لكنها أشد و هي عبادة لا تصرف إلا لله عز و جل الخوف يقولون أصل اشتقاقه من ناقة خيفانة يعني هزيلة هذا الخوف و أما الخشية فمن شجرة خاشية يعني هرمة نخرة أشد الخوف و كذلك الخشية شدة الخوف لا تصرف إلا لله عز و جل قال عز وجل عن الملائكة: (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) ، و قال عز وجل: (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) ، و قال: (فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي) ، و قال عز و جل: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ(57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61 ) ) ، نسأل الله أن يجعلنا و إياكم بمنه و كرمه من هؤلاء.
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على خاتم النبيين و سيد المرسلين، و حجة الله على خلقه أجمعين نبينا محمد و على آله وأصحابه و التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين و علينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد ..
فيقول الإمام محمد بن عبد الوهاب تغمده الله بواسع رحمته في معرض ذكر بعض أنواع العبادة عند كلامه على الأصل الأول وهو معرفة العبد ربه: قال: و دليل الإنابة قوله تعالى: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) . الإنابة: من ناب ينوب نوبًا و نوبة و هي الكرة بعد المرة ومن هذا النوبة جاءت النوبة لفلان، و منه النوائب و هي الشدائد التي تتكرر على ابن آدم و تعتاده و تعتوره و تعتريه، و الإنابة هي الرجوع إلى الله عز و جل لأن الإنسان يولد على الفطرة فإذا جنح عن الفطرة و جمح في سيره و تعدى و ابتعد و شرد و أدبر ثم رجع مرة أخرى، قيل أناب بمعنى تاب رجع إلى فطرته مرة