الصفحة 111 من 146

قال: و الدليل على هذه الأركان قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا) ليس فعل ماضي ناقص ناسخ، البر: اسمها مقدم، أن تولوا: المصدر المؤول من أن و الفعل في محل رفع خبر ليس مؤخر أي ليس البر توليتكم وجوهكم و هذه الآية جاءت بعد حجاج أهل الكتاب و جدالهم و نقاشهم في مسألة القبلة فقد كان أهل الكتاب يعجبهم أن يستقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - بيت المقدس يعجب اليهود ذلك أول ما هاجر إلى المدينة و كان - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك لما كان في مكة كان يصلي إلى بيت المقدس لكنه يجعل الكعبة بينه و بين بيت المقدس فيستقبلها فلما هاجر عليه الصلاة و السلام رأى أنه إن استقبل بيت المقدس فقد استدبر الكعبة و إن استقبل الكعبة و استدبر بيت المقدس فقد خالف ما كان عليه إبراهيم فاستقبل - صلى الله عليه وسلم - بيت المقدس و هو يقلب وجهه في السماء و يتمنى لو صرف إلى الكعبة فمكث على هذا ستة عشر شهرًا سنة و أربعة أشهر و قيل غير ذلك ثم جاء الأمر بتحويل القبلة و صرف وجهه إلى الكعبة جاءه عليه الصلاة و السلام الأمر بذلك فتحول إلى الكعبة و ذلك بعد غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة و تكلم في ذلك اليهود و قالوا: إن كانت صلاتك الأولى صحيحة فقد خالفت و إن كانت قبلتك الأخرى صحيحة فإن صلاتك السابقة باطلة ... و الذين ماتوا في الغزوات و غيرها على قبلتك الأولى ماتوا على باطل فرد الله عز و جل عليهم في آيات كريمة ابتداء من قوله عز وجل: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِن اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(115 ) ) ، ثم قال عز وجل فيما بعد: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ) اليهود (مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) ما صرفهم (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(142 ) ) ، ثم قال عز و جل فيما بعد: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) إلى قوله عز و جل: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي صلاتكم إلى بيت المقدس السابقة (إِن اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) و بعد جولة من الحجاج و الجدال و النقاش قال عز و جل: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) ليس البر: البر كثرة الخير، الخير الكثير و من ذلك أيضًا البَر المصدر واحد الله عز و جل كثيرات خيراته البَر الرحيم.

(أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) يعني ليست العبرة و لا البر مجرد التولية و المخالفة الباطنة و البقاء على الكفر و الضلال ليس الدين و ليس الخير مجرد أن تولي وجهك هنا أوهنا إذا كان القلب مظلمًا بل الدين هذا وهذا الدين و الإيمان ظاهر و باطن إسلام و إيمان و لهذا قال عز وجل: ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت