كتب علم لغة النص، وتشكّل هذه الأدوات مظهرين هما: الأدوات السببيّة الملفوظة، والأدوات السببيّة المقدّرة، وتتمثل الأولى باستخدام الأدوات الدالّة على السبب والتعليل جميعها، مثل: الفاء الدالة على السبب، والتلفّظ بـ"لأن"، ... و"حيث" (28) ، أما المقدرة فتتمثل برصد العلاقات السببيّة المنطقية الناتجة عن التعالق الحاصل بين الوحدات النحوية على مستوى أبعد من الجملة الواحدة، فإذا كانت العلاقات السببيّة اللفظية قائمة على استخدام أدوات التعليل الملفوظة، فإن العلاقات المقدّرة، تقوم على تحليل الدلالات الخاصة بالتراكيب، وملاحظة الالتحام التام القائم بين التراكيب والسياقات، وهذا يتطلّب وعيًا من قبل المستقبل، وهذا ما أسماه جان كوهن بـ"الربط بالقران" (29) ، إلا أن كوهن لم يولِ أهمية كبيرة لدور المستقبل في عملية اكتشاف هذا النمط من العلاقات بخلاف براون ويول (30) ودي بوجراند (31) وفان ديك (32) ، فهؤلاء ركّزوا على دور المستقبل في تحليل هذه العلاقات؛ لأنهم وجدوا أن دور المستقبل لا يقتصر على تحليل العلاقات داخل السياق اللغوي وحسب، بل يتعدّى ذلك فيدخل عناصر معرفية تواصلية أخرى في عملية التحليل والاستنتاج مثل: الشفرة اللغوية، وظروف الإنتاج، وطبيعته، وحالة المستقبل (33) ؛ وذلك لضمان اكتشاف العلاقات العلية المنظمة لعالم النص بحسب دي يوجراند إذ يقول:"إن كثرة اللحمات الدالة على العلية والزمانية تظهر أهمية هاتين العلاقتين لتنظيم عالم النص" (34) .
ويجد المتتبع لهذه العلاقات في الأحاديث القدسية، أثرها البارز في بناء النص وتنظيمه، ومن ذلك ما جاء في الحديث التالي:
"قَالَ أَبُو سَعِيْدٍ بنِ الأعْرَابي: حَدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنِ عَبْدِ المْلَِكِ بْنِ يزيدَ الرّوّاس -يُكنى أبا أسامة - قال أخبرنا حيوة بن شريح المصري أخبرنا بقية عن ضبارة بن عبد الله بن أبي سليك الألهاني قال: أخبرني ابن نافع عن ابن شهاب الزهريٌ قال سعيد بن المسيب: إن أبا قتادة بن ربعي أخبره قال رسول الله صلى الله عليه"