…اعتصم بالصبر ، ولجأ إلى الله - عزّ وجل - لأن تلك المؤامرة لم تكن من أعداء غرباء ، أو قطاع وطريق أشقياء ، إذ لو كان الأمر كذلك لهان الخطْب ، ولَسهلت المصيبة ، لكن المكر والكيد والخداع جاء من إخوة لأخيهم ، والكذب من أبناء على أبيهم ، وقد قيل:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على النفس من وضع الحسام المهند (109)
…وهاهو موسى كليم الله ( بعثه الله - تعالى - ليواجه طاغوت فرعون ، وجبروت هامان ، وكبرياء قارون .
…فما أن بلغ موسى رسالة ربه حتى قام فرعون يرغي ويزبد ، ويتهدد ويتوعد ، تارة بالسحن: ( قال لئن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين ((110) .
…وطورًا بالقتل: ( وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ((111) .
…ومع تفاقم هذا البلاء ، وشدة هذه الفتنة نجد موسى ( يصبر على هذا كله ، ويوجه قومه إلى معين الصبر ليغترفوا منه ، ويواجهوا به الفتنة: ( قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ((112) .
…ولابُد كذلك من الصبر عند حدوث الفتنة المتمثلة في ظهور أصحاب البدع والأهواء من الفرق الضالة ، والمذاهب المنحرفة ، إذ إنَّ بعضهم على الباطل بلا خفاء ، لكن طوائف أخرى تلبس الحق بالباطل ، فيغتر بها الناس ، ويقبلون ما عندهم من الحق والباطل بلا تمييز ، وهذه الفتنة المتمثلة في محاولة هؤلاء إضلال الناس تحتاج إلى صبر ومجاهدة في بيان الحق للناس ، وتحذيرهم من ضده ، وتحتاج كذلك إلى وجود قيادات سُنية طاهرة ، يتبعها الناس ؛ لأن العامة من الناس في كل زمان لا تملك التمييز بنفسها ، بل بواسطة من تثق به من العلماء الربانيين الصابرين (113) .