فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 1101

فأما الذي عمّ جميعهم به في الدنيا من رحمته, فكان رحمانا لهم به, فما ذكرنا مع نظائره التي لا سبيل إلى إحصائها لأحد من خلقه, كما قال جل ثناؤه: {وإنْ تَعُدّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوها} وأما في الآخرة, فالذي عم جميعهم به فيها من رحمته. فكان لهم رحمانا. تسويته بين جميعهم جل ذكره في عدله وقضائه, فلا يظلم أحدا منهم مِثْقَالَ ذَرّةٍ, وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرا عَظِيما, وتُوفّى كل نفس ما كسبت. فذلك معنى عمومه في الآخرة جميعهم برحمته الذي كان به رحمانا في الآخرة.

وأما ما خص به المؤمنين في عاجل الدنيا من رحمته الذي كان به رحيما لهم فيها, كما قال جل ذكره: وكانَ بالمُؤْمِنِينَ رَحِيما فما وصفنا من اللطف لهم في دينهم، فخصهم به دون من خذله من أهل الكفر به.

وأما ما خصهم به في الآخرة، فكان به رحيما لهم دون الكافرين. فما وصفنا آنفا مما أعدّ لهم دون غيرهم من النعيم والكرامة التي تقصر عنها الأماني.

وأما القول الآخر في تأويله, فهو ما حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - قال: الرحمن الفعلان من الرحمة, وهو من كلام العرب. قال: الرحمن الرحيم: الرقيق الرفيق بمن أحبّ أن يرحمه, والبعيد الشديد على من أحبّ أن يعنف عليه. وكذلك أسماؤه كلها.

وهذا التأويل من ابن عباس, يدل على أن الذي به ربنا رحمن هو الذي به رحيم، وإن كان لقوله «الرحمن» من المعنى ما ليس لقوله «الرحيم» لأنه جعل معنى الرحمن بمعنى الرقيق على من رقّ عليه, ومعنى الرحيم بمعنى الرفيق بمن رفق به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت