"وكذلك البصر وانطباع المرئيات عليه وانعكاسها على صفحة المخ لتترك أثرها. وكذلك السمع، وانقلاب المسموعات إلى مفهومات، وانطباع هذه المفهومات في حافظة المخ لتزودكم به، وقت حاجتكم إليه. وهكذا سائر الأعضاء بما وهب الله تعالى من مزايا يضيق الخاطر عن حصر فوائدها ومنافعها!."فإذا ما فكر الإنسان في خلقة نفسه، ودقة حواسه، وتأمل هذه الآلات والأدوات، التى صاغها الخلاق العليم، وبرأها المدبر الحكيم! وهل يستطيع الإنسان بما أوتى من علم ومال، وجاه وسلطان- أن يستعيض عن أحدها لو سلبها، أو أن يردها بعد تلفها، أو أن يفهم كنهها، ويعرف شر تركيبها! حقا لو تأمل الإنسان بعض ذلك، لما وسعه إلا أن يقول: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) ومع هاتيك الدلائل المتظاهرة على وجود الله تعالى، واستناد عالمنا في نشأته وبقائه على قدرته جل جلاله. ومع اطراد البراهين على أن الدين حق، وأن تعاليمه مناط الرشد وطوق النجاة. ومع ذلك كله فبين الحين والحين نسمع امرءا مهزوز الرأى والضمير، يهرف بما لا يعرف، ويظن العامة ستسلكه في عداد العباقرة إذا أعلن كفره بالله وباليوم الآخر. وما أكثر أولئك المتعالمين الأغرار، في هذه الأيام العجاف.. إننى شديد الاحترام للدراسات التجريبية المستيقنة التى يتميز بها عصرنا هذا. ولقد أبصر الإنسان في نفسه، وتابع التأمل في الطريقة التى تدور بها أجهزته، وتتحرك أعضاؤه، ثم عاد بمجموعات من المعارف الساحرة تتضافر على تكوين عقيدة راسخة في إله بديع قدير.. إن القول بأن السد العالى بنى من تلقاء نفسه، أو أن القنبلة الذرية انطلقت من تلقاء نفسها أقرب إلى التصديق من القول بأن الجسم الإنسانى تخلق هكذا.. دون إشراف أو تدبير، وبلا خطة ولا حكمة!!. ذلك أن الطريقة التى تكون بها الجسم، والتى يحيا بها آنا بعد آن أروع وأبدع ألف ألف مرة من أعظم المنجزات والكشوف التى عرفناها. ص _047