مقدمة:
الحمد لله المُبينُ لعباده الحقِّ الساطع، وصلاةٌ وسلام على سيدنا محمّدٍ أولِ شافع، وعلى الآل والأصحاب وكلِّ تابع، إلى يومٍ نرى فيه الله جهرةً كما يُرى البدرُ ليلةَ العاشرِ من بعد الرابع، لا عدَمنا اللهُ أجرَ طاعة بعد معصية، ولا هدًى بعد ضلال، ولا توبة بعد فسق؛ ولا أرانا ما تنكره قلوبنا، ولا تُفتن به نفوسنا، ولا تضل به عقولنا.
أما بعد: فإن أهل السنة والجماعة، المشهود لهم بالطاعة؛ قرنوا العلم بالعمل، وزكّاهم خاتم الرسُل؛ قال: (( خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ) ) [1] ؛ فكان لهم دعاءً في صورة الخَبر، وُفّقوا به في قمع كل متنطع أو أشِر، وقفوا مع النص دون تمثيل، وفهموا معناه دون تكييف وتخييل؛ وأدوا ميراث النبوة للخلَف دون فاسد تأويل أو تجهيل، ولا قبيح تعطيل، رحمهم الله رحمة وسعت السماء والأرض وزادهم من منّه وفضله الجزيل.
إن بعض العلم أولَجنا بابَه عَمَهُ الجَهَلة، حتى يظهر الحق - في القضاء السابق - وتقوم الحجة، ويُعذر المبلِّغ، ويرفع الله من يشاء ويخفض، من أمثال هؤلاء ناسٌ خرجت عن حقيقة الدين إلى الزَبد، فأفسدت من حيث تظن أنها تصلح، واجتهدت فيما لم تتأهل فيه؛ فكفّرت المذنب، وجارت على من لم يجُر، وكبّرت اللّمم، وحكّمت كتاب الله دون علم، واستباحة دم المسلم، وطعنت في ثالث الراشدين ومن خلَفه، وهم في ذلك متنطّعةٌ غالية.
(1) الحديث مشهور، أخرجه الطبراني في الكبير (10/ 92، رقم: 10058) ، وابن أبى شيبة (6/ 404، رقم: 32407) ، وأحمد (1/ 434، رقم: 4130) ، والبخاري (2/ 938، رقم: 2509) ، ومسلم (4/ 1962، رقم: 2533) ، والترمذي (5/ 695، رقم: 3859) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه والنسائي في الكبرى وأبو يعلى وابن حبان والبيهقي عن ابن مسعود. وله شواهد عن عمر، وأبي هريرة، وعمران بن حصين، والنعمان بن بشير وغيرهم.