الخضر، وإنما كان جنيًا، وقد يقول: أنا المسيح، أو موسى، أو محمد، أو أبو بكر، أو عمر، أو الشيخ فلان، فكل هذا قد وقع، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رآني في المنام فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي) . قال ابن عباس: في صورته التي كان عليها في حياته. وهذه رؤية في المنام، وأما في اليقظة فمن ظن أن أحدًا من الموتى يجىء بنفسه للناس عيانًا قبل يوم القيامة، فمن جهله أتي.
ومن هنا ضلت النصارى؛ حيث اعتقدوا أن المسيح بعد أن صلب ـ كما يظنون ـ أنه أتى إلى الحواريين وكلمهم ووصاهم. وهذا مذكور في أناجيلهم، وكلها تشهد بذلك، وذاك الذي جاء كان شيطانًا، قال: أنا المسيح، ولم يكن هو المسيح نفسه، ويجوز أن يشتبه مثل هذا على الحواريين كما اشتبه على كثير من شيوخ المسلمين، ولكن ما أخبرهم المسيح قبل أن يرفع بتبليغه فهو الحق الذي يجب عليهم تبليغه، ولم يرفع حتى بلغ رسالات ربه، فلا حاجة إلى مجيئه بعد أن رفع إلى السماء.
وأصحاب الحلاج لما قتل كان يأتيهم من يقول: أنا الحلاج، فيرونه في صورته عيانًا، وكذلك شيخ بمصر يقال له: الدسوقي بعد أن مات كان يأتي أصحابه من جهته رسائل وكتب مكتوبة، وأراني صادق من أصحابه الكتاب الذي أرسله، فرأيته بخط الجن ـ وقد رأيت خط الجن غير مرة ـ وفيه كلام من كلام الجن، وذاك المعتقد يعتقد أن الشيخ حي، وكان يقول: انتقل ثم مات. وكذلك شيخ آخر كان بالمشرق وكان له خوارق من الجن. وقيل: كان بعد هذا يأتي خواص أصحابه في صورته فيعتقدون أنه هو، وهكذا الذين كانوا يعتقدون بقاء على أو بقاء محمد ابن الحنفية، قد كان يأتي إلى بعض أصحابهم جني في صورته، وكذا منتظر الرافضة قد يراه أحدهم أحيانًا ويكون المرئي جنيًا.
فهذا باب واسع واقع كثيرًا، وكلما كان القوم أجهل كان عندهم أكثر، ففي المشركين أكثر مما في النصارى، وهو في النصارى كما هو في الداخلين في الإسلام، وهذه الأمور يسلم بسببها ناس، ويتوب بسببها ناس يكونون أضل من أصحابها، فينتقلون بسببها إلى ما هو خير مما كان عليه، كالشيخ الذي فيه كذب وفجور من الإنس، قد يأتيه قوم كفار فيدعوهم إلى الإسلام فيسلمون ويصيرون خيرًا مما كانوا، وإن كان قصد ذلك الرجل فاسدًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم) .
كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير ج: 13 ص: 92
وقال:
وقد يحتج بعضهم بقصة موسي والخِضْر، ويظنون أن الخضر خرج عن الشريعة؛ فيجوز لغيره من الأولياء ما يجوز له من الخروح عن الشريعة، وهم في هذا ضالون من وجهين:
أحدهما: أن الخضر لم يخرج عن الشريعة، بل الذي فعله كان جائزًا في شريعة موسى؛ ولهذا لما بَيَّن له الأسباب أقره على ذلك، ولو لم يكن جائزًا لما أقره، ولكن لم يكن موسى يعلم الأسباب التي بها أبيحت تلك، فظن أن الخضر كالملك الظالم، فذكر ذلك له الخضر.
والثاني: أن الخضر لم يكن من أمة موسى، ولا كان يجب عليه متابعته، بل قال له: إني على علم من علم اللّه عَلَّمَنِيه اللّه لا تعلمه، وأنت على علم من علم اللّه علمكه اللّه لا أعلمه. وذلك أن