فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 84

الذي رآه هو دون غيره، وإنما كان شيطانًا، ويكون مثل هذا الشيطان قد سمي نفسه خالدًا وغير خالد، وقال لهم: إنه من رجال الغيب، وهم يعتقدون أنه من الإنس الصالحين، ويسمونه خالدًا الغيبي، وينسبون الشيخ إليه فيقولون: محمد الخالدي ونحو ذلك.

فإن الجن مأمورون ومنهيون كالإنس، وقد بعث اللّه الرسل من الإنس إليهم وإلى الإنس، وأمر الجميع بطاعة الرسل، كما قالتعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأنعام: 130] ، وهذا بعد قوله: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ} [الأنعام: 128] .

قال غير واحد من السلف: أي كثير من أغويتم من الإنس وأضللتموهم.

00 كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير ج: 13 ص: 77

وقال:

وكثيرًا ما يستغيث الرجل بشيخه الحي أو الميت، فيأتونه في صورة ذلك الشيخ، وقد يخلصونه مما يكره فلا يشك أن الشيخ نفسه جاءه، أو أن ملكًا تصور بصورته وجاءه، ولا يعلم أن ذلك الذي تمثل إنما هو الشيطان لما أشرك باللّه أضلته الشياطين، والملائكة لا تجيب مشركًا.

وتارة يأتون إلى من هو خال في البرية، وقد يكون ملكًا أو أميرًا كبيرًا، ويكون كافرًا، وقد انقطع عن أصحابه وعطش وخاف الموت، فيأتيه في صورة إنسي ويسقيه ويدعوه إلى الإسلام ويتوبه، فيسلم على يديه ويتوبه ويطعمه، ويدله على الطريق، ويقول: من أنت؟ فيقول: أنا فلان ويكون [من مؤمني الجن] .

كما جرى مثل هذا لي. كنت في مصر في قلعتها، وجرى مثل هذا إلى كثير من الترك من ناحية المشرق، وقال له ذلك الشخص: أنا ابن تيمية، فلم يشك ذلك الأمير أني أنا هو، وأخبر بذلك ملك ماردين، وأرسل بذلك ملك ماردين إلى ملك مصر رسولًا وكنت في الحبس، فاستعظموا ذلك وأنا لم أخرج من الحبس، ولكن كان هذا جنيًا يحبنا فيصنع بالترك التتر مثل ما كنت أصنع بهم؛ لما جاؤوا إلى دمشق: كنت أدعوهم إلى الإسلام، فإذا نطق أحدهم بالشهادتين أطعمتهم ما تيسر، فعمل معهم مثل ما كنت أعمل، وأراد بذلك إكرامي ليظن ذاك أني أنا الذي فعلت ذلك.

قال لي طائفة من الناس: فلم لا يجوز أن يكون ملكًا؟ قلت: لا. إن الملك لا يكذب، وهذا قد قال: أنا ابن تيمية، وهو يعلم أنه كاذب في ذلك.

وكثير من الناس رأى من قال: إني أنا الخضر، وإنما كان جنيًا.

ثم صار من الناس من يكذب بهذه الحكايات إنكارًا لموت الخضر، والذين قد عرفوا صدقها يقطعون بحياة الخضر، وكلا الطائفتين مخطئ، فإن الذين رأوا من قال: إني أنا الخضر، هم كثيرون صادقون، والحكايات متواترات، لكن أخطؤوا في ظنهم أنه الخضر، وإنما كان جنيًا؛ ولهذا يجري مثل هذا لليهود والنصارى، فكثيرًا ما يأتيهم في كنائسهم من يقول: إنه الخضر، وكذلك اليهود يأتيهم في كنائسهم من يقول: إنه الخضر، وفي ذلك من الحكايات الصادقة ما يضيق عنه هذا الموضع، يبين صدق من رأى شخصًا وظن أنه الخضر، وأنه غلط في ظنه أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت