• 2362
  • سَمِعَ سُرَاقَةَ ، يَقُولُ : جَاءَتْنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبِي بَكْرٍ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَنْ قَتَلَهُمَا أَوْ أَسَرَهُمَا . قَالَ : فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهَا حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا ، فَقَالَ : يَا سُرَاقَةُ إِنِّي رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ لَا أُرَاهَا إِلَّا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ . قَالَ سُرَاقَةُ : فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ ، فَقُلْتُ : إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا ، انْطَلِقُوا بِنَا ، ثُمَّ لَبِثْتُ فِي الْمَجْلِسِ سَاعَةً ، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ بَيْتِي فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تُخْرِجَ لِي فَرَسِي وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي ، فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ ، فَخَطَطْتُ بِهِ الْأَرْضَ فَأَخْفَضْتُ عَالِيَةَ الرُّمْحِ حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا ، وَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا رَأَيْتُ أَسْوِدَتَهُمْ ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْ حَيْثُ يَسْمِعُهُمُ الصَّوْتُ عَثَرَ بِي فَرَسِي ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا ، فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي إِلَى كِنَانَتِي ، فَاسْتَخْرَجْتُ الْأَزْلَامَ ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ ، فَعَصَيْتُ الْأَزْلَامَ ، وَرَكِبْتُ فَرَسِي ، وَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الْأَرْضِ ، حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا ، فَزَجَرْتُهَا فَنَهَضْتُ وَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً ، إِذَا عُثَانٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ . قَالَ : مَعْمَرٌ : قُلْتُ لِأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ : مَا الْعُثَانُ ؟ فَسَكَتَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : هُوَ الدُّخَانُ مِنْ غَيْرِ نَارٍ . قَالَ مَعْمَرٌ : قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ فَاسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ أَنْ لَا أَضُرَّهُمْ ، فَنَادَيْتُهُمَا بِالْأَمَانِ ، فَوَقَفَا ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي ، حَتَّى جِئْتُهُمْ ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي ، حَتَّى لَقِيتُ مِنَ الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ ، وَأَخْبَرْتُهُمْ مِنْ أَخْبَارِ أَسْفَارِهِمْ وَمَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ ، فَلَمْ يَرْزَءُونِي ، وَلَمْ يَسْأَلُونِي ، إِلَّا أَنْ قَالُوا : " أَخْفِ عَنَّا " ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ مُوَادَعَةٍ ، فَأَمَرَ بِهِ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ ، فَكَتَبَ لِي فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدَمٍ بَيْضَاءَ

    أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي السَّرِيِّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيُّ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ ، أَنَّ أَبَاهُ ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُرَاقَةَ ، يَقُولُ : جَاءَتْنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، وَأَبِي بَكْرٍ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَنْ قَتَلَهُمَا أَوْ أَسَرَهُمَا . قَالَ : فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهَا حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا ، فَقَالَ : يَا سُرَاقَةُ إِنِّي رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ لَا أُرَاهَا إِلَّا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ . قَالَ سُرَاقَةُ : فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ ، فَقُلْتُ : إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا ، انْطَلِقُوا بِنَا ، ثُمَّ لَبِثْتُ فِي الْمَجْلِسِ سَاعَةً ، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ بَيْتِي فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تُخْرِجَ لِي فَرَسِي وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي ، فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ ، فَخَطَطْتُ بِهِ الْأَرْضَ فَأَخْفَضْتُ عَالِيَةَ الرُّمْحِ حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا ، وَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا رَأَيْتُ أَسْوِدَتَهُمْ ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْ حَيْثُ يَسْمِعُهُمُ الصَّوْتُ عَثَرَ بِي فَرَسِي ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا ، فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي إِلَى كِنَانَتِي ، فَاسْتَخْرَجْتُ الْأَزْلَامَ ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ ، فَعَصَيْتُ الْأَزْلَامَ ، وَرَكِبْتُ فَرَسِي ، وَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الْأَرْضِ ، حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا ، فَزَجَرْتُهَا فَنَهَضْتُ وَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً ، إِذَا عُثَانٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ . قَالَ : مَعْمَرٌ : قُلْتُ لِأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ : مَا الْعُثَانُ ؟ فَسَكَتَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : هُوَ الدُّخَانُ مِنْ غَيْرِ نَارٍ . قَالَ مَعْمَرٌ : قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ فَاسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ أَنْ لَا أَضُرَّهُمْ ، فَنَادَيْتُهُمَا بِالْأَمَانِ ، فَوَقَفَا ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي ، حَتَّى جِئْتُهُمْ ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي ، حَتَّى لَقِيتُ مِنَ الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ ، وَأَخْبَرْتُهُمْ مِنْ أَخْبَارِ أَسْفَارِهِمْ وَمَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ ، فَلَمْ يَرْزَءُونِي ، وَلَمْ يَسْأَلُونِي ، إِلَّا أَنْ قَالُوا : أَخْفِ عَنَّا ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ مُوَادَعَةٍ ، فَأَمَرَ بِهِ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ ، فَكَتَبَ لِي فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدَمٍ بَيْضَاءَ

    دية: الدية : مال يعطى لولي المقتول مقابل النفس أو مال يعطى للمصاب مقابل إصابة أو تلف عضو من الجسم
    أكمة: الأكمة : ما ارتفع من الأرض دون الجبل
    كنانتي: الكنانة : جعبة صغيرة من جلد تحمل فيها السهام
    فاستقسمت: الاستقسام : نوع من الاقتراع بالأزلام، يكتبون على القداح لا تفعل وافعل فما خرجت به القرعة عملوا به
    ساخت: ساخت : غاصت
    استوت: استوت : اعتدلت ووقفت وقامت
    عثان: العثان : الدخان من غير نار أو الغبار أو أثره
    بالأزلام: الأزلام جمع الزلم : وهو السهم الذي لا ريش عليه ، كانوا يقترعون بها في الجاهلية
    الدية: الدية : مال يعطى لولي المقتول مقابل النفس أو مال يعطى للمصاب مقابل إصابة أو تلف عضو من الجسم
    الزاد: الزاد : هو الطعام والشراب وما يُتَبَلَّغُ به، ويُطْلق على كل ما يُتَوصَّل به إلى غاية بعينها
    والمتاع: المتاع : كل ما يُنْتَفَعُ به وَيُسْتَمْتَعُ ، أو يُتَبَلَّغُ بِهِ ويتُزَوَدَّ من سلعة أو مال أو زوج أو أثاث أو ثياب أو مأكل وغير ذلك
    يرزءوني: رزأ : أنقص
    رقعة: الرقعة : القطعة من الورق أو الجلد يُكتب فيها
    أدم: الأدم : الجلد المدبوغ
    رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ لَا أُرَاهَا إِلَّا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ . قَالَ
    حديث رقم: 17279 في مسند أحمد ابن حنبل مُسْنَدُ الشَّامِيِّينَ حَدِيثُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ
    حديث رقم: 4238 في المستدرك على الصحيحين كِتَابُ الْهِجْرَةِ كِتَابُ الْهِجْرَةِ
    حديث رقم: 4399 في المستدرك على الصحيحين كِتَابُ مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَمَّا حَدِيثُ ضَمْرَةَ وَأَبُو طَلْحَةَ
    حديث رقم: 35936 في مصنّف بن أبي شيبة كِتَابُ الْمَغَازِي مَا قَالُوا فِي مُهَاجَرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَبِي بَكْرٍ وَقُدُومِ مَنْ
    حديث رقم: 6454 في المعجم الكبير للطبراني مَنِ اسْمُهُ سُرَاقَةُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيُّ كَانَ يَنْزِلُ فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ
    حديث رقم: 6455 في المعجم الكبير للطبراني مَنِ اسْمُهُ سُرَاقَةُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيُّ كَانَ يَنْزِلُ فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ
    حديث رقم: 6457 في المعجم الكبير للطبراني مَنِ اسْمُهُ سُرَاقَةُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيُّ كَانَ يَنْزِلُ فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ
    حديث رقم: 9551 في الطبقات الكبير لابن سعد المجلد السادس سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْشُمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُدْلِجِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ
    حديث رقم: 2794 في أخبار مكة للفاكهي أخبار مكة للفاكهي ذِكْرُ مَسْجِدِ الْجِعْرَانَةِ وَمَا جَاءَ فِيهِ
    حديث رقم: 936 في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
    حديث رقم: 2085 في المطالب العالية للحافظ بن حجر كِتَابُ الْجِهَادِ بَابُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ
    حديث رقم: 2086 في المطالب العالية للحافظ بن حجر كِتَابُ الْجِهَادِ بَابُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ
    حديث رقم: 4341 في المطالب العالية للحافظ بن حجر كِتَابُ السِّيرَةِ وَالْمَغَازِي بَابُ هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ
    حديث رقم: 230 في دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني الْفَصْلُ السَّابِعَ عَشَرَ وَمِمَّا ظَهَرَ مِنَ الْآيَاتِ فِي مَخْرَجِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَفِي طَرِيقهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَصْلُ السَّابِعَ عَشَرَ وَمِمَّا ظَهَرَ مِنَ الْآيَاتِ فِي مَخْرَجِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَفِي طَرِيقهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
    حديث رقم: 3325 في الأوسط لابن المنذر كِتَابُ قَسْمِ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ جِمَاعُ أَبْوَابِ الصُّلْحِ وَالْعُهُودِ الْجَائِزَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِ الشِّرْكِ سِوَى
    حديث رقم: 665 في بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث كِتَابُ الْمَغَازِي بَابُ مَا جَاءَ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا

    كانتِ الهِجْرةُ النَّبويَّةُ بِدايةَ عَهدٍ جَديدٍ للدَّولةِ الإسْلاميَّةِ، وكانتْ رِحلةً مُبارَكةً، أيَّدَ اللهُ فيها رَسولَه بالمُعجِزاتِ، وحفِظَه مِن كَيدِ أعْدائِه، ولم يَلبَثْ طَويلًا حتَّى تحقَّقَ وَعْدُ اللهِ لنَبيِّه بالنَّصرِ، ودانَتِ البِلادُ والعبادُ للهِ الواحِدِ القهَّارِ.وفي هذا الحَديثِ يَحْكي سُراقةُ بنُ مالكِ بنِ جُعْشُمٍ رَضيَ اللهُ عنه ما حدَث معَه ورَآهُ أثْناءَ هِجرةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكان سُراقةُ يومَها مُشرِكًا، فيُخبِرُ أنَّه كان في قَومِه، فجاءهُمْ مَبعوثٌ مِن كفَّارِ قُرَيشٍ يُخبِرُهم أنَّهم يَجعَلونَ لمَن يَقتُلُ، أو يَأسِرُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأبا بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه مِثلَ دِيَةِ كلِّ واحدٍ منهما، أي: مِئةَ ناقةٍ عن كلِّ واحدٍ منهما.ويَحْكي سُراقةُ أنَّه بيْنَما هو جالسٌ في مَجلِسٍ مِن مَجالِسِ قَومِه بَني مُدلِجٍ؛ إذ أقبَلَ رَجلٌ منهم، حتَّى وقَف عندَهم وهمْ جُلوسٌ، فذَكَر لسُراقةَ أنَّه رَأى في وَقْتٍ قريبٍ «أَسْوِدةً» -أي: أشْخاصًا- بالسَّاحلِ، يظُنُّ أنَّهم محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، فعرَف سُراقةُ أنَّهما رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وصاحِبُه، ولكنَّه خطَّأَ ظنَّ هذا الرَّجلِ، وأوْهَمَه أنَّه إنَّما رَأى فُلانًا وفُلانًا انطَلَقوا بأعْيُنِنا، أي: في نظَرِنا مَعايَنةً يَبتَغونَ ضالَّةً لهم، قال ذلك؛ لأنَّه يُريدُ أنْ يَخرُجَ بنفْسِه لأسْرِ أو قَتلِ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه والنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويَستَأثِرَ بدِيَتِهما لنفْسِه.ويَحْكي سُراقةُ أنَّه مكَثَ في مَجلِسِه بعضَ الوَقتِ، ثمَّ دَخَل مَنزِلَه، وأمَر جاريَتَه أنْ تَخرُجَ بفرَسِه مُتستِّرةً عنِ النَّاسِ وَراءَ مُرتَفِعٍ منَ الأرضِ؛ لئَلَّا يَعلَموا بخُروجِه، فيَسبِقَه أحَدٌ إلى محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وصاحِبِه. فأخبَرَ أنَّه أخذ رُمْحَه وخرَجَ به مِن خلْفِ البَيتِ، وقولُه: «فحطَطْتُ بزُجِّه الأرَضَ، وخفَضْتُ عاليَه»، أي: أرخَيْتُ رُمْحي حتَّى مسَّ زُجُّه -وهي الحَديدُ الَّذي في أسفَلِ الرُّمحِ- الأرضَ، وبالَغْتُ في خَفضِ أعْلاه؛ لئَلَّا يظهَرَ لمَن بعُدَ عنه، قال: «حتَّى أتيْتُ فَرَسي، فركِبْتُها، فرفَعْتُها تُقرِّبُ بي»، أي: فأسرَعْتُ بفَرَسي لكي تُقرِّبَني منهما، وتَقطَعَ المَسافةَ في زَمنٍ قَصيرٍ إليهما، فلمَّا اقتَرَبَ سُراقةُ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، عثَرَتْ به فَرَسُه عَثْرةً شَديدةً، حتَّى سقَطَ عن ظَهْرِها، فمَدَّ يَدَه إلى كِيسِ السِّهامِ الَّذي معَه، فاستَخرَجَ منها الأزلامَ -وهي أقلامٌ كانوا يَكتُبون على بعضِها: نَعَم، وعلى بعضِها: لا، وكانوا إذا أرادوا أمرًا استَقْسَموا بها، فإذا خرَجَ السَّهمُ الذي عليه «نَعَم» خَرَجوا، وإذا خرَجَ الآخَرُ لم يَخْرُجوا، ومعنى الاستقسامِ: مَعرِفةُ قسْمِ الخيرِ والشَّرِّ- فلمَّا استَقْسَمَ ليَعرِفَ هل يَنفَعُهم أمْ يَضُرُّهم؟ خرَجَ السَّهمُ الَّذي يدُلُّ على ألَّا يَضُرَّهم.ويَذكُرُ سُراقةُ أنَّه لم يَلتفِتْ إلى ما ظهَر له مِن الاستقسامِ، بلْ ركِبَ فَرَسَه وقصَد النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وصاحِبَه حتَّى دَنا منهما مرَّةً أُخْرى، وسَمِع قِراءةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ووَصَفَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنَّه لا يَلتفِتُ، وأنَّ أبا بَكرٍ كان يُكثِرُ الالْتِفاتَ؛ خَوفًا على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا اقتَرَب منهما «ساخَتْ» -أي: غاصَتْ- يَدَا الفَرَسِ في الأرضِ، حتَّى بلَغَت رُكبَتَيْها، فصاح عليها بشِدَّةٍ زَجرًا لها، فقامَتِ الفرَسُ بعْدَ مُحاوَلةٍ شَديدةٍ، حتَّى إنَّها كادَت ألَّا تَستَطيعَ إخْراجَ يدَيْها مِن الأرضِ، «فلمَّا استَوَتْ قائمةً، إذا لِأثَرِ يدَيْها عُثانٌ ساطِعٌ في السَّماءِ»، أي: فلمَّا اعتدَلَتِ الفرَسُ، وقامَت مِن سَقطَتِها، رَأى سُراقةُ لِأثَرِ يدَيْها غُبارًا شَديدًا مِثلَ الدُّخَانِ في سَوادِه، مُنتشِرًا في السَّماءِ، فناداهما سُراقةُ يَستَوقِفُهما مُعْطيًا لهما الأمانَ، وأنَّه لنْ يَنالَهما منه أذًى، فوَثِقا به، ووَقَفا، ويَذكُرُ سُراقةُ أنَّه بعدَما مُنِعَ مِن الظَّفَرِ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وحِيلَ بيْنَه وبيْنَه بهذه الأُمورِ الخَوارِقِ؛ تيقَّنَ أنَّ محمَّدًا رَسولُ اللهِ حقًّا، وأنَّ دِينَه سيَعْلو، وأخبَرَهما بما جَعَلَتْه قُرَيشٌ مِن جائزةٍ لمَن يَأْتي بهما، وقِيمَتُها دِيَةُ كلِّ واحدٍ منهما، وأخبَرَهما بما تُريدُ قُرَيشٌ بهما مِن الحِرصِ على الظَّفَرِ بهما، ونَحوِ ذلك، وعرَضَ عليهما الطَّعامَ والمَتاعَ، فلمْ يَأخُذا منه شَيئًا، ولم يَسْأَلاه شَيئًا ممَّا هو معَه، وأمَرَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُخفيَ أمرَه عنِ النَّاسِ.وسَأَل سُراقةُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يكتُبَ له كتابَ أمانٍ، أي: كِتابَ مُوادَعةٍ يؤَمِّنُه فيه، حتَّى إذا الْتَقى بالمُسلِمينَ في المَدينةِ، أو غَيرِها لا يَتعرَّضُ له أحَدٌ منهم بسُوءٍ. فأمَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عامرَ بنَ فُهَيْرةَ، فكتَب في رُقْعةٍ مِن أَديمٍ، أي: قِطعةٍ مِن جِلدٍ، ومَضى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في طَريقِه إلى المَدينةِ.وفي الحَديثِ: أنَّ هِجرتَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم تكُنْ سَهلةً مَيْسورةً، وإنَّما كانت صَعبةً قاسيةً مَحْفوفةً بالمَخاطرِ.وفيه: مُعجِزتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الظَّاهِرةُ مع سُراقةَ بنِ جُعْشُمٍ وكيف أنَّ اللهَ حَفِظَه.

    لا توجد بيانات
    . . .
    فضلًا انتظر تحميل الصوت