الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فلا بد أن يعلم أولا أن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم بآبائنا هو وأمهاتنا ممن سبه وآذاه واجب شرعي فقد قال تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا {الفتح: 8 ـ 9 } فالإيمان بالله والرسول والتعزير والتوقير للرسول صلى الله عليه وسلم قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: التعزير اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه ، والتوقير : اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال ، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار . وقال أيضاً: أما انتهاك عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه مناف لدين الله بالكلية ، العرض متى انتُهك سقط الاحترام والتعظيم ، فسقط ما جاء به من الرسالة ، فبطل الدين ، فقيام المدحة والثناء عليه والتعظيم والتوقير له قيام الدين كله ، وسقوط ذلك سقوط الدين كله ، وإذا كان كذلك وجب علينا أن ننتصر له ممن انتهك عرضه .
وإذا تقرر هذا فالمقاطعة لبضائع هؤلاء الذين سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واستهزؤا به ـ بآبائنا هو وأمهاتنا ـ نصرة للنبي صلى الله عليه وسلم حتى تنكسر شوكتهم ويضعف اقتصادهم وينزجروا عن هذا السب والاستهزاء ، ليس بدعة أو تحريما للحلال كما يزعم هؤلاء ، بل إنه أسلوب مشروع ، وقد يكون واجبا إذا تعين طريقا لكسر شوكتهم ومنع تطاولهم ، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما هو مقرر شرعا .
ومن الأدلة على جوازه ، ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ثمامة بن أثال لما أسلم سافر إلى مكة للعمرة وقال لأهل مكة : والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم .
وغير خاف أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استعمل التضييق والضغط الاقتصادي كأسلوب من أساليب الجهاد المشروع وذلك بتلك السرايا والبعوث التي سيرها لمهاجمة قوافل قريش التجارية ، فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص فقال : اخرج يا سعد حتى تبلغ الخرّار ، فإن عيراً لقريش ستمر بك . وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في مائتين من أصحابه يعترض عيراً لقريش في غزوة بواط ، وخرج أيضاً لغزوة العشيرة لاعتراض قافلة لقريش في طريقها إلى الشام ، روى ذلك كله ابن سعد في الطبقات ، وابن هشام في السيرة ، ومعلوم أن غزوة بدر إنما كان سببها طلبه صلى الله عليه وسلم عير أبي سفيان ، بل وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم على قريش أن تضيق عليهم معيشتهم ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا قريشاً كذبوه واستعصوا عليه فقال : اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف . فأصابتهم سنة حصدت كل شيء حتى كانوا يأكلون الميتة ، وكان يقوم أحدهم فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجهد والجوع ، فأتاه أبو سفيان فقال : أيْ محمد ! إن قومك هلكوا ، فادع الله أن يكشف عنهم . متفق عليه إلى غير ذلك من شواهد كثيرة .
والاقتصاد في زماننا هذا ذو تأثير كبير وفعال على مواقف الدول والشعوب واتجاهاتها ، وقد يكون هو الأسلوب الأنجع في أيدي المسلمين اليوم للضغط على هؤلاء ليوقفوا أو يخففوا من حملتهم ضد النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام والمسلمين . وراجع الفتوى رقم : 3545 .
والله أعلم .