الابنة الفاضلة/ شهد حفظها الله.
فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله -جل جلاله- بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يفرج كربتك، وأن يقضي حاجتك، وأن يحسّن من وضعك، وأن يصرف عنك هذه التحديات، وأن يُصلح ما بينك وبين زوجك، وأن يُصلح ما بين والديك، وأن يجعلكم من سعداء الدنيا والآخرة.
وبخصوص ما ورد برسالتك - ابنتي الكريمة الفاضلة – فالذي أحب أن أبيِّنه لك بداية أنك تعيشين نوعًا من الابتلاء والامتحان والاختبار، والدنيا كما تعلمين هذا طبعها في العموم، دار ابتلاء وامتحان واختبار، وهناك كثير من الخلق يتعرضون لمثل ما أنت فيه من الابتلاء، وبعضهم يتعرض لدرجة أعلى، وبعضهم يتعرض لدرجة أقل، وهناك عباد ابتلاؤهم صحي أو بدني أو نفسي أو مالي أو غير ذلك، قال سبحانه: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}.
والله -تبارك وتعالى- بفضله ورحمته إذا أحب عبدًا ابتلاه، فالابتلاءات من علامات محبة الله -تبارك وتعالى- للعبد، لأن الحياة الدنيا قصيرة، وهناك حياة عظيمة طويلة لا نهاية لها، وهي الآخرة، هذه الحياة (الآخرة) ندفع ثمنها من الآن، سواء كان ذلك في صورة تحقيق عبودية الله -تبارك وتعالى- بتنفيذ أوامره -جل وعلا-، أو كان ذلك بالصبر على ابتلاءاته وأقداره المؤلمة التي قد تُزعج الإنسان أحيانًا، ولكن العبد المؤمن يعلم أن هذا ما دام قضاء الله وقدره فهو مما لا شك فيه مأجور على ذلك.
ولو نظرت إلى غيرك – ابنتِي الفاضلة شهد – لوجدت أن بلاءك أخف من بلاء غيرك، فتصوري أن هناك إنسانة مريضة معاقة لا تستطيع أن تقوم بخدمة نفسها، وأن هناك إنسانة قد تكون متخلفة علقيًا، وتتصرف تصرفات كالمجانين، ومما لا شك فيه أنك ستقولين أن هناك أناس يعيشون سعداء، أقول نعم، لكن كلٌ له أجره على قدر ما أعطاه الله، وكلٌ في امتحان وابتلاء واختبار.
لا تظني أبدًا – يا بُنيتي – أن المسائل تمشي فوضى، أو أن الأمور تمشي سُدىً بغير قاعدة تنطلق منها، أبدًا، لقد قال الله -تبارك وتعالى-: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} وقال -جل وعلا-: {وخلق كل شيء فقدره تقديرًا}.
إذن هذا ترتيب رباني في غاية الإحكام والدقة، فلا تظني أبدًا أن ما أنت فيه سيضيع سُدىً عند الله -تبارك وتعالى- مطلقًا، ولا تظني أيضًا أن هؤلاء الذين يستمتعون قد يكونون في متعة، وحتى وإن كانوا في متعة حقيقية فعلاً، إلا أن المطلوب منهم عبادات أيضًا تكافئ هذه النعمة التي أعطاها الله -تبارك وتعالى- لهم، فكلٌ في ابتلاء وامتحان واختبار، ولذلك لا بد أن تتحلي بروح الصبر، وأن تعلمي أنه لا خيار أمامك الآن، لأنه لعل الظروف التي دفعتك للزواج المبكر هي عدم الاستقرار بين والديك، ورأيي أن هذا أفضل لك أن تخرجي بعيدًا عن مشاكلهما وأن تبدئي حياتك بعيدا عنهم هذا أفضل، ولكن فُوجئت بأن هناك تبعات أيضًا للزوج، وأتمنى - بارك الله فيك – أن تحاولي أن توسعي دائرة الحوار بينك وبين زوجك، لأن دائرة الحوار والكلام ستضيق هوة الخلاف – يا بُنيتي –، فحاولي قدر الاستطاعة أن تفتحي مجالات للحوار مع زوجك، وأن تبيّني له أمورا لا يلزم أن تكون في صلب قضيته، وإنما كلاما عاما حتى يتعود أن يسمع للطرف الآخر، لأن بعض الأزواج محرومون أيضًا من هذه الملَكة، ويرى –كما قال فرعون-: {ما أريكم إلا ما أرى}.
فلا بد من فتح مجالات للحوار، ولكن لا يلزم أن يكون في مشكلتك حتى لا يتهمك بأنك تريدين أن تتمردي على الحياة الأسرية وغير ذلك، هذا ما أتمناه.
الأمر الثاني - بارك الله فيك -: مع الأيام حاولي أن تعرضي عليه مواصلة الدراسة مرة أخرى بصورة أو بأخرى، وحاولي أن تجتهدي قدر الاستطاعة في تخفيف تحمل مشاكل والديك، ما دام ليس لديك الآن قدرة على الحل، اللهم إلا إذا كان كلامًا تستطيعين أن توجهيه للطرفين، فيكون سببًا في التهدئة، فلا تتوقفي عن ذلك. أما إذا وجدت أن الأمر يحتاج إلى مجهود مضاعف فأرى أن تحاولي أن تصرفيهم إلى جهة أخرى تستطيع أن تتفرغ لهما، لأن لديك الآن تحديات تحتاج إلى وقتك، وزوجك يحتاج إليك نفسيًا وبدنيًا وجسميًا.
أسأل الله لك التوفيق والسداد، إنه جواد كريم.