أرشيف المقالات

تاريخ جحا. . .

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
8 للأستاذ كامل كيلاني - 2 - 9 - شخوص جحوبة وكما اسند القصصي الجحوي إلى جحا التركي، ممثلا في الأستاذ نصر الدين، اسند مثله - أو قريب - إلى جحا الألماني ممثلا في: (تل أو بلن شبيجل) أعني (تل) الملقب ب (مرآة البومة) و (جحا) اليوناني ممثلا في (ديوجين) و (جحا) الفرنسي يمثله السادة: (دي كراك) مرة و (دي لاباليس) مرة ثانية و (ميشيل موران) مرة ثالثة وفي مرسيليا نرى (مسيو بونوس) و (كالينو) و (ماريوس) وفي باريس (دوق دي سان سيمون) وما إلى هذه الشخصيات الجحوية المتخيلة الفاتنة التي تشيع في أرجاء فرنسا وغيرها روح الدعابة البريئة والتهكم الساذج. كما أسند إلى جحا الفارسي ممثلا في (طلحة)، وجحا الهندي ممثلا في الشيخ تشللي، وجحا الأرمني ممثلا في أرتين.
وجحا الإنجليزي يمثله في إنجلترة (سمبل سيمون وقد ذاعت في بريطانيا أسماء طائفة من القديسين، افتن الظرفاء والمتطرفون في إسناد طرائف من الدعابة اليهم، ونحلوهم ما شاء لهم الخيال الخصب من فنون الفكاهات الحلوة المحببة، والنكات البريئة المستعذبة.
فاشتهر في أيرلندة (بات) وهو - كما يرى القارئ - ترخيم لاسم القديس (باتريك) وقد كاد يصبح لقبا على كل ايرلندي في معرض الدعابة والتنادر، والتمثيل للسذاجة وطيبة القلب. واشتهر في اسكتلندة (داود) وكاد يصبح علما على كل اسكتلندي، وافتن المتخيلون في إسناد كل ما خطر ببالهم من نوادر البخل والتقتير. واشتهر (اندراوس) كذلك في جنوب إنكلترا، في بلاد الغال (الويز)، كما اشتهر جو في إنجلترا. وقد أصبحوا - على توالي الزمن - أعلاماً للفكاهة والمرح في بلادهم، ثم ذاعت بدائعهم في العالم، فأشاعت في أرجائه ألوانا مشرقة من البهجة والسرور. وليست شخصية (دون كيشوت) إلا لونا مبتدعا جديدا لشخصية جحا كما يتخيلها الأسبان. وقلما تخلو أمة من مثال قريب أو بعيد لهذه الشخصية المرحة الطريفة، وقد طوع القصاصون كثيرا من الطرائف والرموز الجحوية، وفصلوا منها أنماطا فكرية البسوها عرائس أفكارهم وآرائهم. ولم تلبث الصورة الجحوية على مدى الأزمان واختلاف الأمم التي تناقلتها أن تشكلت بألوان العصور والأمم التي قبستها.
كما يتشكل الماء بلون الإناء الذي يستودع فيه. 10 - فبراق: إن البحث ليطول إذا لم نوجزه إيجازا حتى ليضيق الوقت الفسيح بتفصيل قليل من كثير مما عرضنا له. وبحسبنا أن نقرر الآن في هذه الإلمامة الخاطفة أن جحا التركي كاد يكون نسخة مكررة من جحا العربي، وإن ضاع قبر الثاني فلم يعرف له مكان كما ضاع الكثير من أثاره فلم يهتد إليه وبقى قبر الأول مزارا يحج إليه في مقبرة (آق شهر). 11 - من آراء الناس: وقد غلا بعض الناس، فكاد يلحق الجحيين كليهما بالأولياء والأطهار والقديسين الأبرار. وغلا آخرون، فكدوا يتمثلون كليهما آية من آيات الغفلة والبله، ومثلا من أمثلة الغباء والحماقة، وتمثلهما آخرون نموذجا للخداع والتلبيس ورمزا للغش والتدليس. 12 - مذهب (أبى الغصن): ومهما يكن من امر، فقد كان كلا الجحيين ذكيا بارعا، راجح العقل، محدثا (أي: ملهما صادق الفراسة)، يتغابى في غير غباء، ويتباله في غير بله، ويمكر في غير خبث، ليخلص من كيد الكائدين، وينجو من بطش المعتدين. ورحم الله شوقي بك القائل: (إذا الفتنة اضطرمت في البلاد ...
ورمت النجاة، فكن إمعة) (والإمعة كما تعلمون، هو الذي يقول لكل إنسان أنا معك) واليكم شعار الأول اعني شعار: (أبى الغصن عبد الله دجين بن ثابت) المعروف بجحا العربي، وهو يلخص رأيه في الحياة أبدع تلخيص: (مذهبي في الحياة صبر جميل ...
هل ينجِّني من البلاء عويل لم أضق بالحياة ذرعاً، وعندي ...
بسمات للخطب وهو جليل لا أرى في الوجود إلا جمالا ...
كل ما في الوجود حُسن أصيل أُضمرُ الصفح والمحبة للنا ...
س، إذا ما أساء باغٍ جهول الأمانيُّ عذبة أسعدتني ...
فحياتي بهن حُلمٌ جميل وحماقات من أرى أضحكتني ...
وتعنَّي بها غضوب ملول إنما يغلب الزمان صبور ...
واسع الصدر باسم بهلول لا يهاب الخطوب أن دهمته ...
سوف يتلو الأحزان أنس طويل كل خطب إذا صبرت تولَّى، ...
وتجلّى، وكل حال تحول) 13 - مذهب نصر الدين: وهو بهذا يلتقي مع فلسفة الأستاذ نصر الدين خوجة أو جحا التركي كما يسمونه، الذي اتخذ شعاره في الحياة قوله: (مذهبان أن نتسلى بالحياة بما نلاقي من سرور وأذاه فالكون محبوب بهيج ما حواه وما نرى إلا جميلا ما نراه) 14 - تشابه المذهبين: على أن كلا الجحيين كان كما يقول فيلسوف المعرة: (إذا سألوا عن مذهبي فهو بين ...
وهل أنا، إلا مثل غيري أبلهُ خلقت من الدنيا، وعشت كأهلها ...
أجدُّ كما جدُّوا، والهوا كما لهوا) فقد أحسن المعري التعبي عنهما، بهذين البيتين، وان كان يفصله زهاء من الزمان بعد مولد أولهما وثلاثة قرون قبل مولد الآخر منهما.
وكأنما ألهما المعري قوله: (إن جدَّ عالمك الأرضي في نبأٍ ...
يغشاهم، فتمثل جدَّهم لعبا) وقوله: (تَرَجَّ - بلطف القول - ردّ مخالفٍ ...
إليك، فكم طِرْف يسكَّن بالنَّقْر) 15 - تشابه الرجلين: لقد تشابه الجحيان - كما أسلفت لحضراتكم - كما تشابه الموز أو البرتقال في رأي بعض الشعراء حين قال: (.

.

.

.

فالفم ملآن به فارغ سيان قلنا: مطعم طيب فيه، وإلا مشرب سائغ) تشابه الرجلان وامتزجت آثارهما، وبعضهما ببعض كما امتزجت - بعد ذلكم وقبله - بالكثير من آثار غيرهما من الشخصيات الجحوية وما إليها.
وما أضيف عليها مما تخيله المتخيلون، وانتحله المنتحلون، حتى أصبحت كلمة (جحا) الآن كافية للتعبير عن كل جحا، في كل عصر، وفي كل أمة كما أصبحت كلمة (خرافة) أيضاً كافية للتعبير عن كل حديث خيالي لا حقيقة له: قديما كان أو حديثا، رائعاً أم سخيفا، عربيا أم أعجميا، شرقيا أم غربيا، وقد اصبح الرمز الجحوي - على توالي الأجيال أشبه بالرمز الجبري، فإن (س) تارة تساوي مليونا من الجنيهات، وتارة تساوي عشر تفاحات، وثالثة ست دجاجات، ورابعة صفراً. وقد ألف (كارليل) - فيما يعلمه الكثيرون منكم - كتاب الأبطال، فتحدث عن البطل في صورة نبي، والبطل في صورة زعيم، والبطل في صورة قائد، والبطل في صورة شاعر وهكذا. وسيرى المتتبع لتاريخ جحا وما نسب إليه من أخبار كيف سلك المتحدثون عنه مثل هذا المنهج، أو قريب: فمثلوا لنا جحا في صورة فيلسوف، وجحا في صورة أبله، وجحا في صورة قاض، وجحا في صورة متقاض، وجحا في صورة سارق، وجحا في صورة مسروق، وجحا في صورة ذكي وجحا في صورة غبي، وجحا في صورة فقير، وجحا في صورة غني، وهكذا. وقد أصبحت كلمة (جحا) كافية في التعبير عن هذا كله - كما ترون - فلا غرو إذا اجتزانا بها في الحديث اقتصاداً للوقت، واختصاراً للبحث في التفاصيل المسهبة، والشروح المستفيضة التي عرضنا لها في غير هذا المقام. كامل كيلاني

شارك الخبر

مشكاة أسفل ٢