أرشيف المقالات

الزندقة

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
8 3 - الزندقة في عهد المهدي العباسي للأستاذ محمد خليفة التونسي الشعوبية: (أكل كبدي عمر) (الهرمزان) (وأبى كسرى علا إيوانه ...
أين في الناس أب مثل أبي) (مهيار الديلمي) (أنا ابن المكارم من آل جم ...
وطالب إرث ملوك العجم) (فقل لبني هاشم أجمعين ...
هلموا إلى الخلع قبل الندم) (وعودوا إلى أرضكم بالحجاز ...
وأكل الضباب ورعي الغنم) (الموبذ) (بهاليل غر من دؤابة فارس ...
إذا انتسبوا لا من عرينة أو عكل) همو راضة الدنيا وسادة أهلها ...
إذا افتخروا لا راضة الشاة والإبل (أبو سعيد الرستمي) (عاج الشقي على ربع يسائله ...
وعجبت أسأل عن خمارة البلد) (يبكي على طلل الماضين من أسد ...
لا در درك قل لي: من بنو أسد؟) (ومن تميم ومن قيس ولفهما؟ ...
ليس الأعاريب عند الله من أحد!) (أبو نواس) أشرنا في المقال الأول (الرسالة - العدد 637) إلى أن كره الفرس العرب بدأ منذ وطئت أقدامهم أرض فارس في عهد عمر بن الخطاب، وأن الهرمزان كان - حين مقامه بعد الأسر في المدينة - حاقداً على عمر، وأنه حين وفد سبى جلولاء إلى المدينة كان يمسح على رؤوسهم ويقول: (أكل كبدي عمر وأشرنا في ختام المقال الثاني إلى هناك صلة بين الشعوبية والزندقة ووعدنا هناك ببيان هذه الصلة، وهانحن أولاء نوفي بما وعدنا. على أننا لسنا هنا في صدد الكلام المفصل في الشعوبية وكل ما يتصل بها، بل همنا أن نعرض بالإيجاز لما يوضح لنا أسباب الزندقة في عهد المهدي العباسي وآثارها وحقيقتها دون تعرض للشعوبية وما يتصل بها من سائر النواحي الأخر. في زمن النبي عليه السلام بدأ بتوجيه كتبه إلى الملوك والأمراء في شبه الجزيرة العربية وفارس وبلاد الروم، وفيه توجهت بعض البعوث لمحاربة بلاد غير عربية، وفي أبي بكر بعد انتهائه من حروب الردة انطلقت الجيوش العربية الإسلامية شرقاً وشمالا تطرق أبواب مملكة فارس والروم، واستطاعت أن تستولي على بعض بلاد الدولتين، وما كاد عمر يلي الخلافة حتى عبأ الجيوش وقذف بها الدولتين فدك مملكة فارس دكا، وفيها انساحت جيوش قائده الأحنف بن قيس حتى بلغت نهر جيحون، وكاد يعبر النهر مطاردته يزدجرد ملك الفرس ولا أن نهاه عمر عن عبوره اتباعا لسياسته المشهورة التي تقضي إلا تكون بينه وبين جيوش المسلمين مياه، وفتحت جيوش المسلمين في عهده الشام ومصر وقد كان القطران خاضعين لمملكة الروم. كان يسكن هذه البلاد أقوام من أجيال مختلفة لهم ديانات ونحل شتى وكان من رضى عن الفتح الإسلامي لبلاده، ومنهم من قابله بالحقد والكراهية، فقد كان معنى هذا الفتح سيطرة الجيل العربي على البلاد التي فتحها.
وسيطرة الدين الإسلامي على أديان أهل هذه البلاد. ومن الشائع أن المسلمين في هذه الفتوح إنما كانوا يرمون إلى نشر الإسلام تنفيذاً لفريضة الجهاد في سبيل الله، ولكن هناك أمراً ليس بالشائع وإن يكن غرض آخر من الفتوح، هذا الأمر هو التوسعة بهذه البلاد المفتوحة على سكان شبه الجزيرة من العرب: هو الهجرة من شبه الجزيرة إلى البلاد المفتوحة بعد أن ضاقوا به، ونصيحة عمر بن الخطاب لجنوده الذين وجههم إلى الفرس وتؤيد هذا الرأي، فالفتوح كانت موجة من موجات الهجرة الكثيرة من شبه الجزيرة إلى ما جاورها من البلاد، لكن هذه الموجة تمتاز بأنها تحمل ديناً وتدعو إليه. ونحن حريون أن ننظر إلى هذا الفتوح من هاتين الناحيتين لا من ناحية واحدة، وألا ندعي لأنفسنا من الفهم للإسلام والعصر الذي ظهر فيه أكثر من فهم عمر الذي كأن من أقرب الصحابة إلى النبي وأعظمهم فهما عنه. ولقد نظرت الأمم التي دانت للسلام إلى الفتوح العربية على أنها فتوح أمة تنشد لنفسها السلطان على غيرها من الأمم، وتنشد لدينها السلطان على غيره من الأديان: لم ينظر كثير منهم إلى أن هذه الأمة العربية قد جاءت بدين عام للعربي وغير العربي، وأنها تفتح بلادهم لتدعو إليه، بل رأوا أنها فتحت بلادهم للتسلط والاستعمار، وإن كان حكمها خيراً من حكم سواها، وأنها تقصد من الدعوة إلى دينها الدعوة إلى سلطانها الدنيوي. ولقد ساء الفتح العربي كثيراً من الأقطار المفتوحة، ولاسيما فارس، ولذلك سببه الذي لا بدلنا أن نكشف عنه. كانت بلاد الشام وبلاد المغرب تحت سيطرة الروم، فلم يكن من نتيجة الفتح العربي إياها إلا أنها استبدلت سلطان العرب بسلطان الروم، ووجدت تحت الحكم العربي من العدل والرغد ما لم تجد تحت حكم الروم، فاستكانت إلى العرب واطمأنت إلى حكمهم حتى فقدت قومياتها ولغاتها. وكانت فارس قبل الفتح العربي بلاداً مستقلة ذات سيادة وحضارة ومملكة، وكان لها سلطان حتى على العرب، وكانت تحكم قبل الإسلام بلاد اليمن والبحرين والعراق حتى أن كسرى أبرويز حين تلي عليه كتاب النبي الذي يدعوه فيه إلى الإسلام، غضب ومزق الكتاب وكتب إلى عامله على اليمن (بازان) يأمره بأن يأتيه برأس هذا الرجل الحجازي، وكانت فارس تستعين بقبائل الحيرة في حروبها مع الروم، وتستعين بقبائل العرب على صد المعتدين على حدودها من الروم والأعراب، وعلى خفارة القوافل أثناء مرورها في البلاد العربية، بل لقد استعان بهرام جور برؤساء قبائل الحيرة في الجلوس على عرش فارس بعد أبيه يزدجرد برغم أنوف المعارضين له من الفرس، ولقد كانت لفارس ثقافة وحضارة، وفي اللغة العربية كثير من الكلمات الفارسية دخلتها قبل الإسلام، وفي سيرة ابن هشام أن النضر بن الحارث كان يقول لأهل مكة: (يحدثكم محمد بأخبار عاد وثمود، وأنا أحسن حديثاً منه: هلموا إلي أحدثكم بأخبار رستم واسفنديار والأكاسرة) وقد عرف العرب المجوسية (الديانة الفارسية القديمة) ويقال إن بعض بني تميم قد اعتنقوها. ولم يكن لسلطان فارس مثيل قبل الإسلام إلا سلطان الروم، وقد وقعت بين الدولتين حروب كثيرة شهد ظهور الإسلام أواخرها، ويقول المقريزي: (إن الفرس كانت من سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم وصولة الخطر في أنفسها بحيث أنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأسياد، وكانوا يعدون سائر الناس عبيداً لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكان العرب عند الفرس أقل الأمم خطراً، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة) ما من شك في أن الفرس كان لهم قبل الفتح العربي سلطان واستقلال ومملكة، وأنهم كانت لهم سيادة على بعض البلاد العربية، وأنهم كانوا يحتقرون العرب، وأن بلادهم هي البلاد الوحيدة التي كانت تتمتع باستقلالها ومملكتها وحضارتها عند الفتح العربي، فلما فتحها العرب سلبوا استقلالها ومملكتها ونظمها، ومن أجل ذلك تعاظمهم - كما يقول المقريزي - الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وأي مصيبة أعظم من فقدان استقلالهم على أيدي أمة كانت أقل الأمم خطراً عندهم.
ومن أجل ذلك لقي العرب في إخضاع الأمة الفارسية من المشقات ما لم يلقوا في إخضاع غيرهم من الأمم. ولقد بقيت فارس تتطلع إلى الاستقلال تحت الحكم العربي من أول يوم دخلت فيه تحته، وظلت موطن كفاح دائم بين الفريقين، واستعان الفرس في مناضلة العرب بجميع قواهم: فاستعانوا بقوة الجيوش مرارا فما أفلحوا، وظل العرب قابضين على نواصيهم لقوة عصبيتهم ضد عصبية الفرس، وشجاعتهم أمام شجاعة الفرس، فلما خانتهم قوة الجيوش حاولوا التمسك بلغتهم وحضارتهم وديانتهم فخابوا بعض الخيبة وظفروا بعض الظفر: ذلك أن اللغة العربية غلبت على لغتهم لغناها ووجوب التعبد بها، وغلب الإسلام ديانتهم بترك بعضهم دينهم خوفا من البطش أو تزلفا إلى الدولة الإسلامية أو إيمانا به، ووهت ثقافة اللغة الفارسية كما وهت المجوسية، وامتزجت الحضارتان، وأناب كثير من العامة إلى الحكم العربي والدين الإسلامي الذي جاءهم به العرب واللغة العربية، واختفت العصبية أول الأمر كثيرا، ومما ساعد على اختفائها عندهم حسن سيرة الحكام في العهد الأول في الرعية وتنفيذهم أوامر الدين في معاملة المغلوبين بنصها وروحها، فكان للمغلوبين ما للغالبين وعليهم ما عليهم فيما عدا الإدلاء ببعض المناصب، ولكن العصبية لم تذهب - وإن اختفت - من رؤوس رؤسائهم وذراري ملوكهم بل بقيت متأججة يتناقلونها خلفا عن سلف، وقد بدأ ظهورها يزداد منذ انقسام العرب بعضهم على بعض في أثناء الدولة الأموية، وظهور العصبيات الجزئية القبلية التي اجتهد النبي وخلفاؤه ونجحوا في إخفائها، وظهور التفرقة في المعاملة بين العربي وغيره ممن دخل في الإسلام عند الخلفاء والولاة، واحتقار العرب الموالي عامة. وأول ما بدأ ظهور العصبية الفارسية في فارس، ففيها ضعفت أول ما ضعفت العصبية العربية لظهور العصبيات القبلية، وقلة العناصر العربية فيها لقلة العرب واندماجهم مع الفرس بالتزاوج والتناسل واستقرارهم فيهم وبعدهم عن مواطنهم التي خرجوا منها. ولقد ظهرت حاجة العرب إلى الفرس بعد الفتح العربي بقليل، فقد انصرف العرب إلى الفتح والجهاد، فغفلوا عما سواه، كما يقول ابن خلدون في مقدمته، وانصرف الموالي من الفرس إلى الأدب واللغة والفقه والنحو فأسدوا إلى هذه النواحي أعظم الخدمات، وكانوا فيها المبرزين دون العرب، ومما يؤثر عن الخليفة سليمان بن عبد الملك (96 - 99هـ) قوله: (ألا تتعجبون من هذه الأعاجم! احتجنا إليهم في كل شيء حتى في تعلم لغاتنا منهم) وقوله: (العجب لهذه الأعاجم كان الملك فيهم فلم يحتاجوا إلينا، فلما ولينا لم نستغن عنهم). ومما يحكى أن عربيا وفارسيا تناظرا بين يدي يحيى البرمكي، فقال الفارسي للعربي: (ما احتجنا إليكم قط في عمل ولا تسمية، ولقد ملكتم فما استغنيتم عنا في أعمالكم ولا لغتكم حتى أن طبيخكم واشربتكم ودواوينكم على ما سمينا ما غيرتموه). (البقية في العدد القادم) محمد خليفة التونسي

شارك الخبر

المرئيات-١