أرشيف المقالات

الواعظ الفاعل للمحرمات

مدة قراءة المادة : 18 دقائق .
2الواعظ الفاعل للمحرمات
ومنها أن الواعظ الفاعل للمحرَّمات المحذِّر عنها، يكون سببًا للمعصية؛ لأن الناس يقولون لولا أن هذا الواعظ مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات، لما أقدم على المناهي والمنكرات، فيكون داعيًا إلى التهاون بالدين والجرأة على المعاصي، وهذا مناف للغرض من الوعظ فلا يليق بالعقلاء.
 
ومنها أن غرض الداعي ترويج كلامه وتنفيذ أمره، فلو خالف إلى ما نهى عنه، صار كلامه بمعزل عن القبول، وهذا تناقض لا يليق بالعقلاء، وفي مثل هذا يقول ابن القيم رحمه الله: علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هَلُمُّوا، قالت أفعالهم لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقًّا، كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصور أدلاء وفي الحقيقة قطاع طريق، قلت: وما أكثر هؤلاء في زمننا.
وذكر بعض العلماء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: سيأتي على الناس زمان يملح فيه عذوبة القلوب، فلا ينتفع بالعلم يومئذ عالمه ولا متعلمه، فتكون قلوب علمائهم مثل السباخ من ذوات الملح، ينزل عليها قطر السماء فلا يوجد لها عذوبة، وذلك إذا مالت قلوب العلماء إلى حب الدنيا وإيثارها على الآخرة، فعند ذلك يسلبها الله تعالى ينابيع الحكمة ويطفئ مصابيح الهدى من قلوبهم، فيخبرك عالمهم حين تلقاه أنه يخشى الله بلسانه والفجور ظاهر في عمله.
قلت: وما أكثر هؤلاء في زمننا، فتأمل ودقِّق النظر تصدق، ومن العجيب ما حدث في زمننا تجد بعضهم يحمل شهادة الدكتوراة أو الماجستير أو هما، ويعطى فيها شهادةً في الفقه الإسلامي.
 
وهو ما يَحسن إلا ما كتب فيه بحثًا، إما موضوع الربا أو السرقة أو الخمر مثلًا، ولا يجيد غير هذا الموضوع الذي حصل على هذه الشهادة بسببه.
بل الفرائض التي نصف العلم لا يجيدها، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فما أخصب الألسن يومئذ وما أجدب القلوب، قال: فوالله الذي لا إله إلا هو ما ذلك إلا والله أعلم، كما قال بعضهم: لأن المعلمين علموا لغير الله والمتعلمين تعلموا لغير الله.
 
شعرًا:






لعمرك ما الأبصارُ تنفع أهلها
إذا لم يكن للمبصرين من بصائر











وبالحقيقة إذا نظرت إلى الأكثرية الساحقة ممن حولك من أساتذة ومدرسي وطلاب، فوجدت هيبة الإسلام والعلم والعمل والشهامة والرجولة الإسلامية، قد نزعت منهم يحلقون لحاهم كاليهود والنصارى والمجوس، ويوفرون شواربهم ويجعلون تواليات، وربما خنفسوا، وتجدهم يجالسون الفسقة ويندمجون معهم، وبعضهم تجده يشرب أبا الخبائث الدخان، وربما فعله أمام الطلاب والعياذ بالله.
 
ولا تجده في الغالب يصلي مع الجماعة، ويعامل المعاملة التي لا تليق بمنصبه، وتجده يجلس أمام التلفزيون وعند المذياع وأغانيه، وعند السينما والفيديو، ونحو ذلك من المحرمات التي قتلت الأخلاق.
ويحب الشهرة والظهور رياءً وسمعةً، فكيف يخطر بالبال أن مثل هؤلاء يأمرون بمعروف أو ينهون عن منكر، كلا والله إنهم لا يزيلون المنكر عن أنفسهم، ولا عن بيوتهم التي فيها من المنكرات ما يدهش الأسماع والأبصار والعقول.
 
شعرًا:






إذا لم يُعنك الله في طلب العلا
فسعيُك في جمع الفضائل ضائع











آخر:






ليس الجمال بأثواب تزيِّننا
إن الجمال جمال العلم والأدب











فعلم هؤلاء العلم الذي يضر ولا ينفع، وهو الذي استعاذ منه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع»، (فابعُد عنهم وكن على حذر منهم أيها المعافى).
 
شعرًا:






صار الأسافل بعد الذل أسنمةً
وصارت الروس بعد العز أذنابَا


لم تبقَ مأثرةٌ يعتدها رجل
إلا التكاثر أوراقًا وأذهابَا






آخر:






ولم أقضِ حقَّ العلم إن كان
كلما بدا طمع صيرته لي سلمَا


ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي
لأخدم من لاقيت لكن لأخدمَا


أأشقى به غرسًا وأجنيه ذلةً إذًا
فاتباع الجهل قد كان أحزمَا


فإن قلت زند العلم كاب فإنهما
كبا حين لم تحمى حماه وأظلما


ولو أن أهل العلم صانوه صانهم
ولو عظموه في النفوس لعظما


ولكن أهانوه فهانوا ودنَّسوا
مُحياه بالأطماع حتى تجهما






ونعود إلى كلامنا السابق حول الآية الكريمة: فالآية كما ترى ناعية على كل من يعظ غيره ولا يتعظ بسوء صنيعه وعدم تأثره، وإن فعله فعل الجاهل بالشرع أو الأحمق الذي لا عقل له، فإن الأمر بالخير مع حرمان النفس منه مما لا يتفق وقضية العقل، والمراد بها حثه على تزكية النفس والإقبال عليها بالتكميل لتقوم بالحق فتكمل غيرها.
وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2، 3]، فهذا وعيد شديد من الله لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهو في نفسه مقصِّر، كمن يكذب في قوله أو يخلف ما وعد، وعن أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرَّحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، ما لك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه»؛ متفق عليه.
 
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رأيت ليلة أسري بي رجالًا تُقرض شفاهم بمقاريض من النار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: الخطباء من أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون»؛ رواه ابن حبان في صحيحه.
 
وإنما يضاعف عذاب العالم في معصيته؛ لأنه عصى عن علم؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الزمر: 9]، ولأنه قدوة، فيزل بزلته خلق كثيرون، ولذلك قيل زلة العالم زلة العالم، وقيل كالسفينة إذا غرِقت غرق معها أممٌ ما يُحصيهم إلا الله.
 
وفي الخبر: «ومن سن سنةً سيئةً فعليه وزرُها ووزرُ مَن عمِل بها من بعده، من غير أن ينتقص من أوزارهم شيئًا»، وذلك أن أتباعهم اقتدوا بهم في السوء، فينالهم مثل عقاب أتباعهم، قال تعالى: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ [العنكبوت: 13]، وقال: ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [النحل: 25].
 
قال: وجملة الأمر أن من فتح باب الشر لغيره وسهل له الدخول فيه، فقد عظُم عذابُه، وكذلك من دعا إلى خير وأمر بالمعروف، وسهَّل له طريقه، فقد عظم قدره وحسُن جزاؤه عند الله تعالى؛ أخرجه مسلم والترمذي، وقال صلوات الله وسلامه عليه: «مثل الذي يعلم الخير ولا يعمل به مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها»؛ رواه الطبراني في الكبير عن أبي برزة بسند حسن.
 
وقال أبو الدرداء: ويل للجاهل مرة وللعالم سبع مرات، وقال علي رضي الله عنه: قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك، فالجاهل يغر الناس بنسكه والعالم يغرهم بتهتُّكه، وقال حكيم: أفسد الناس جاهل ناسك وعالم فاجر، هذا يدعو الناس إلى جهله بنسكه، وهذا ينفر الناس عن علمه بفسقه.
 
ومنها التواضع ومجانبة العجب، فذلك بالدعاة والمرشدين أليق ولهم ألزمُ؛ لأن الناس بهم يقتدون، وكثيرًا ما يداخلهم العجب لتوحُّدهم بفضيلة العلم، ولو أنهم نظروا حق النظر وعملوا بموجب العلم، لكان التواضع بهم أولى، ومجانبة العجب بهم أحرى وأنسب؛ لأن العجب نقص ينافي الفضل، فلا يفي ما أدركوه من فضيلة العلم بما لَحِقَهم من نقص العجب والكبر.
 
شعرًا:






دَعِ الكبر واجنَح للتواضع تشتمل
وداد منيع الود صعب مراقه


وداو بلين ما جرحت بغلظةٍ
فطيب كلام المرء طب كلامه






 
آخر:






جِئْ بالسماح إذا ما جئت في غرض
ففي العبوس لدى الحاجات تصعيب


سماحة المرء تنبئ عن فضيلته
فلا يكن لك مهما استطعت تقطيب






 
وقد روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قليل الفقه خيرٌ من كثير العبادة، وكفى بالمرء جهلًا إذا أعجب برأيه، وإنما الناس رجلان مؤمن وجاهل، فلا تؤذ المؤمن، ولا تحاور الجاهل»، وقال - صلى الله عليه وسلم - لأبي ثعلبة حين ذكر آخر هذه الأمة، وما تؤول إليه من الحوادث: «إذا رأيت شحًّا مطاعًا وهوًى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك»؛ رواه أبو داود.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث مهلكات: شُح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه»؛ رواه الطبراني في الأوسط، ويأتي إن شاء الله موضوع التواضع وافيًا بأدلته وعلة إعجاب المعجب بعمله، ونظره إلى كثرة من دونه من الجهال وانصراف نظره عمَّن فوقه من العلماء، فإنه ما حوى العلم كله أحد من الخلق، فما من عالم إلا وفوقه من هو أعلم منه؛ قال تعالى: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 76]، فالله جل وعلا هو الذي يعلم كل شيء؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: 12]، وقال: ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 282]، وقال: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾ [الأنعام: 73]، وقال: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام: 59].
 
وقلما تجد معجبًا بعلمه شامخًا بأنفه إلا وهو قليل العلم ضعيف العقل؛ لأنه يجهل قدره ويحسب أنه نال منه أكثره، والله يقول: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85]، قال: ومنها أن لا يبخل بتعليم ما يحسن ولا يمتنع من إفادة ما يعلم، فإن البخل به ظلم ولؤم والمنع منه إثم.
 
شعرًا:






إذا ما مات ذو علم وتقوى
فقد ثلمت من الإسلام ثلمه


وموت العادل الملك المولى
لحكم الخلق منقصةً وقصمه


وموت العابد المرضي نقص
ففي مرآه للأسرار نسمه


وموت الفارس الضرغام هدم
فكم شهدت له بالنصر عزمه


وموت فتى كثير الجود نقص
لأن بقاءه فضل ونعمه


فحسبك خمسة يبكى عليهم
وموت الغير تخفيف ورحمه






 
قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾ [آل عمران: 187]، ورُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تمنعوا العلم أهله، فإن في ذلك فساد دينكم والتباس بصائركم»، ثم قرأ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 159، 160].
 
قال ابن كثير على هذه الآية: هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب، من بعد ما بينه الله تعالى لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله؛ ا.
هـ.
 
وقد ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من سئل عن علم فكتمه، أُلجم يوم القيامة لجام من نار».
 
وفي الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحدًا شيئًا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾، ومما يحسن بالداعي والمرشد أن يتحلى بالورع باتقاء الشبهات، والبعد من مواضع الريبة، ومسالك التهمة.
 
فإن ذلك أبرأ لدينه وأسلم لعرضه، وأدعى إلى الانقياد له؛ لأن حال الداعي يؤثر في القلوب أكثر من مقاله، فإذا كان ورعًا تقيًّا متجنبًا ما فيه شبهة اقتدى به الناس، وأحبوه وقبلوا وعظه وإرشاده، وهكذا كانت صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، والتابعين لهم.
 
واحذَر يا أخي كلَّ الحذر من احتكار الكتب الدينية المحتوية على قال الله وقال رسوله، وأخذ شيء من الدنيا باسم تحقيق أو نشر كما يفعله بعض الناس، نسأل الله العافية مما ابتُلوا به.
 
شعرًا:






لولا الشياطين لم تسمع سوى لهجٍ
بالذكر أو ما أتى عن سيد البشر











آخر:






لولا الشياطين صار الناس كلهم
على الحنيفية السمحاء عباد











ففي صحيح البخاري من حديث أنس قال: مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمرة ساقطة، فقال: «لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها»، وقدم على عمر مسك وعنبر من البحرين، فقال: «والله لوَددت أني وجدت امرأةً حسنة الوزن تزن لي هذا الطيب حتى أقسمه بين المسلمين، فقالت امرأته عاتكة: أنا جيدة الوزن فأنا أزن لك، قال: لا، فقالت: لم؟ قال: لأني أخشى أن تأخذيه، فتجعليه هكذا، وأدخل أصابعه في صدغيه وتمسحي به في عنقك، فأصيب فضلًا من المسلمين، وكان يوزن بين يدي عمر بن عبد العزيز مسك للمسلمين، فسد أنفه بيده؛ حتى لا تصيبه الرائحة، وقال: وهل ينتفع منه إلا بريحه، قال ذلك لما استبعد ذلك منه، وهذا من ورع المتقين، قلت: ومما ينبغي أن يتصف به أيضًا قطع العلائق حتى لا يكثر خوفه، ويقطع الطمع عن الخلائق، فلا يكون له عندهم حاجة تذله لهم، وتدعوه إلى المداهنة، والإغضاء عن أعمالهم القبيحة، وهذه طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾ [الأنعام: 90]، ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الشعراء: 109].
 
شعرًا:






وفي النفس حاجات وفي المال قلة
ولن يقضي الحاجات إلا المهيمن











آخر:






إن حال دون لقاءكم بوابكم
فالله ليس لبابه بواب











آخر:






فاضرَع إلى الله لا تضرع إلى الناس
واقنَع بعزٍّ فإن العز في الياس


واستغنِ عن كل ذي قربى وذي رحم
إن الغني من استغنى عن الناس






 
ورُوي عن بعض الحذَّاق أنه كان له كلب وله صديق قصاب، يأخذ منه لكلبه بعض السواقط، فرأى على القصاب منكرًا يتعاطاه، وقال: لا بد أن أبري ذمتي وأنصحه، ولكن أبدأ أولًا بقطع الطمع، فدخل البستان وأخرج الكلب وطرده، ثم جاء واحتسب على القصاب، ونصحه وأغلظ عليه، فقال له القصاب: سوف لا أعطيك لكلبك شيئًا أبدًا، فقال: أنا حاسب لهذا الكلام ما أتيتك إلا بعد أن طردت الكلب عن بستاني.
 
فمن لم يقطع الطمع، ويسد بابه لم يقدر على الحسبة، قلت: ومثله عندي في الغالب من يوالي العطاء على إنسان، فيبعد إذا رآه صدر منه معصيةً أو معاصي أنه ينصحه أو ينكر عليه؛ لأنه يرجوه ويخافه، يرجو الصلة ويخاف قطعها، ولو فرضنا أنه أقدم على ذلك وأنكر عليه، فيَبعُد أيضًا قبول صاحب الفضل للنصيحة من ذلك الشخص المنتظر لما في يده، نسأل الله العصمة.
 
وكم ضل عن الطريق السوي ناس من أهل الإيمان بسبب مداهنة المداهن وتغريره لهم، هذه قيمة الناصح، والمداهن عند المؤمن الصادق الإيمان، ولكن نرى الناس اليوم عكسوا الأمر في هذه الأزمان، لا منتهى لحبهم من وافقهم على ما هم عليه، ولو كان ذنبًا عظيمًا، ولا غاية لبغضهم من أرشدهم إلى الحق والصواب، وربما هجروه جزاء نصحه، وأما المداهن والمتملق المنافق ذو الوجهين، فبكلمة من مداهناته، أو وشاياته أو تملُّقاته أو كذباته، يملك قلوب الكثير من أهل هذا الزمان، وقد يرفع ويقدر من اتصف بالصفات الذميمة كما قيل:
آخر:






(متى ما تدان أو تكن ذا تملُّقٍ
ونَمْ وبهت تختطبك المراتب)


(وإن تجمع الإخلاص والصدق والوفا
وعلمًا وحلمًا تجتنبك المناصب)






 
آخر:






لا تنكري يا عز إن ذل الفتى
ذو الأصل واستولى لئيم المحتد


إن البزاة رؤوسهن عواطل
والتاج معقود برأس الهدهد






 
آخر:






حذفت وغيري مثبت في مكانه
كأني نون الجمع حين يضاف











آخر:






من أهمل الدين لا تأمَن عقاربه
ولو تسمى بإخلاص بنيات


لآدم جاء إبليس وقال له
إني لكم (ناصح فاسمع مقالاتي


فأقسم الخبث في ربي ونزلهم
من الجنان إلى دار الأذيات






 
اللهم وفِّقنا لسبيل الطاعة، وثبِّتنا على اتباع السنة والجماعة، ولا تجعلنا ممن عرف الحق وأضاعه، واختم لنا بخير منك يا كريم، واغفر لنا ولوالدينا، ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢