أرشيف المقالات

آداب وضوابط البيع

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
2آداب وضوابط البيع
الحمد لله رب العالَمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومَن والاهم بإحسان إلى يوم الدين، واجمَعْنا معهم برحمتِك وَجُودك يا رب العالَمين، وبعد: فأيها الإخوة الكرام أتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم، إن من الأمور الهامة جدًّا في دين رب العالَمين سبحانه وتعالى المعاملات، والشرع الحكيم ضبط به ربُّنا عز وجل كل شيء، فما أغفل شرعنا شيئًا.   ويأتي على رأس المعاملات بين الناس البيعُ؛ حيث إن الجميع من الناس يحتاجون إليه، فهو من لوازم الحياة والمعيشة، وكلنا يدخل ضمن أركانه، فالواحد منا لا بد أن يكون أحدَ المتعاقِدَينِ يومًا، إما بائعًا أو مشتريًا، وإذا أردنا أيها الإخوة الكرام أن نُلقي نظرة شرعية حول البيع، فلا بد أن نعرف ما هو البيع؟   تعريف البيع: البيع في اللغة: أخذ شيء وإعطاء شيء، أو مقابلة شيء بشيء، بمعنى أنا كمشترٍ أعطيك النقود وأنت كبائعٍ تعطيني السلعة، وهذه المعاملة التي دارت بيننا هي عملية البيع. وفي الشرع يعرف بأنه: مبادلة مال بمال، أو منفعة مباحة على التأبيد، فلو كانت المنفعة مؤقتة لم يكن بيعًا، بل إجارة.   ضوابط البيع العامة في الإسلام: 1- الأمانة: هذا الضابط أصل الأصول، وما بعده يندرج تحته، والأمانة هي الديانة، بمعنى أنها تحقق في نفس العبد، وتلزمه بكل ما أمر به الدين، فلا يُحدِث أي مخالفة لدينه بمقتضاها، فالحفاظ على الأمانة ورعايتها وصيانتها صفةٌ من صفات عباد الله المؤمنين: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ [المؤمنون: 8]، وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان))، وفي رواية: ((وإن صام وصلَّى وزعم أنه مسلم))، فعدم أمانة الواحد منا معناها أن فيه نفاقًا يحتاج إلى توبة وعفو من الله عز وجل. والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال؛ من عبادات ومعاملات، وأخلاق وسلوكيات، الكل يجب أن تكون الأمانة متوفِّرة فيه.   2- الصدق: الواجب على المسلم أن يكون صادقًا في كل معاملاته، وفي كل أمور حياته؛ لأنه مأمور من الله بالصدق؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119]، وقال عز وجل: ﴿ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ [محمد: 21]، فالكذب ريبة، ولا خير فيما يجنيه الكذب أبدًا، فعلى العبد أن يتقي الله عز وجل، ولا ينطق إلا صدقًا. روى البخاري ومسلم - رحمهما الله - عن حَكيم بن حزام رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((البَيِّعانِ بالخيار ما لم يتفرَّقا؛ فإن صدَقا وبيَّنا بُورِك لهما في بيعهما، وإن كَتَما وكذَبَا مُحِقت بركة بيعهما))، فالصدق في البيع من أسباب البركة والنفع المتحقق بالبيع والشراء، والكذب ماحقٌ لهذه البركة، فيكون حينها هذا البيع لا خير فيه ولا نفع؛ فالصدق يجعل الكسب طيبًا حلالًا مباركًا. كما روى البيهقي - رحمه الله - عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: (إن أطيب الكسب كَسْبُ التجَّار الذين إذا حدَّثوا لم يَكذِبوا، وإن ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يُخلِفوا، وإذا اشتروا لم يندموا، وإذا باعوا لم يَخدعوا، وإذا كان عليهم لم يَمطُلوا، وإذا كان لهم لم يُعسِّروا)، فهذه صفات التجَّار الصالحين التي مدحها نبيُّنا صلى الله عليه وسلم فيهم. فالتجَّار الصادقون لهم أسمى مكانة، وأعلى مرتبة، حتى وصلت هذه المرتبة في العطاء والكرم إلى معيَّة الأنبياء والصدِّيقين والشهداء في الجنة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصِّدِّيقين والشهداء)).   3- عدم بَخْس السلعة: والبخس هو الإنقاص على سبيل الظلم والتعييب، أو التزهيد، أو المخادعة عن القيمة بالكذب، أو الاحتيال في التزيُّد في الكيل والنقصان منه، وهذا محرَّم لا يجوز في ديننا الحنيف؛ لأنه فعل قبيح، وقد قال شعيب عليه السلام لقومه: ﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾ [الأعراف: 85]، فالمؤمن منصِف، قوَّال للحق ولو على نفسه، لا يرضى بمثل هذا البخس؛ لأنه مخالف لعدالته وأمانته.   4- عدم التطفيف: قال الله عز وجل: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ [المطففين: 1، 2]؛ أي: في حقوقهم، ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾ [المطففين: 3]؛ أي: في حق غيرهم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم للوزَّان: ((زِن وأرْجِحْ))، بمعنى: أعطِ الحق لصاحبه وافيًا بلا نقص، بل زِدْ له ولو قليلًا، قال ابن عباس لأصحاب المكيال والميزان في السوق: "إنكم قد وليتم أمرينِ هلكت فيهما الأمم السالفة قبلكم: الكيل، والميزان". ولقد سُئل مالك - رحمه الله - عن رجلٍ جعل في مكيالِه زفتًا - وهي مادة ثقيلة - ليرفع به الكيل، فقال - رحمه الله -: "أرى أن يُعاقَبَ بإخراجه من السوق"، فمثل هذا الظالم للناس في حقوقهم يهان ولا يكرم، ولو اتَّبع الحلال لنفعته بركته.   5- عدم الحلف الكاذب: قال عليه الصلاة والسلام: ((إن التجَّار هم الفجَّار))، فقال رجل: يا رسول الله، ألم يُحِلَّ الله البيع؟ قال: ((بلى، ولكنهم يحدِّثون فيكذِبون، ويحلِفون فيأثمون))؛ [رواه أحمد، وهو حديث صحيح].   6- العدالة: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 8]، فالعدل أساس الخير والبركة والتقوى، عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن المقسِطين عند الله على منابرَ مِن نور عن يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين - الذين يعدِلون في حُكمهم وأهليهم وما وُلوا))؛ رواه مسلم. وعن عِياض بن حمار رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفَّق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قُربى ومسلم، وعفيف متعفِّف ذو عيال))؛ رواه مسلم.   7- السماحة: جاء في الحديث: ((رحِم الله رجلًا سَمْحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا قضى، وإذا اقتضى))؛ رواه البخاري.   8- الكتابة والإشهاد: فإنه يستحب ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾ [البقرة: 282]، وقوله: ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ﴾ [البقرة: 282]؛ ففي ذلك مزيد ضمانٍ للحق، وتثبيته، وتأكيد للثقة والتعاون بين المسلمين؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا ﴾ [البقرة: 282]. هذا، والله تعالى أعلم والحمد لله رب العالمين



شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢