أرشيف المقالات

التربية الناجحة للعفة في القصص القرآني "تمشي على استحياء"

مدة قراءة المادة : 13 دقائق .
2التربية الناجحة للعفة في القصص القرآني ﴿ تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾
إن المتأمَّل في أحوال الأمة الإسلامية يلحظ ضعفًا شديدًا في الجانب الأخلاقيِّ في هذا العصر، فنحن نعيش في زمن مليءٍ بالفواحش والمغريات التي تدفع الشبابَ والفتيات إلى الوقوع في مستنقع الفساد والمنكرات: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾ [الروم: 41].   لقد شاعت الفواحش شيوعًا لا يُنكره أحد، وأصبحت صناعة الفاحشة من أكبر الصناعات حول العالم، وأهلها من أكبر الأثرياء اليوم تحت غطاء الفن، وبسبب التطور الهائل في وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات وتطوُّر الفضائيات، أصبح لأهل الفاحشة الآن وأبناء التعري ألقابٌ وهالاتٌ؛ فهذا فنان قديرٌ، وهذه راقصةٌ كبيرة، وتلك أم المسرح، والأخرى ثروةٌ قوميةٌ؛ مما جعل منهم قدوة للكثير من الشباب والفتيات...
وإنَّا لله وإنا إليه راجعون!   لقد فشِلت وسائلُ التربية في الأمة إلى حد كبير في مقاومة هذا المدِّ الجارف من سوء الأخلاق وتدنِّي العفة في داخل الأمة، رغم وجود المؤسسات الدينيَّة التربويَّة والدعويَّة. إن هذا الواقع الحياتيَّ يؤكِّد فشل عملية التربية لشباب وفتيات الأمة، فالواقع الحياتيُّ هو المقياس الحقيقي لنجاح أو فشل عملية التربية، وليست اختبارات الورقة والقلم مهما كانت درجاتها العالية.   فنحن في مجتمعنا العربيِّ الإسلامي أصبحنا في حاجة إلى منهج أخلاقيٍّ لإعادة بناء أبناء الأمة، وتهيئة المناخ الصحيِّ لكل وليِّ أمر على كل المستويات أن يخلعوا عن أنفسهم رداء السلبيَّة واللامبالاة، ويعملوا على وضع الأمور في نصابها الصحيح وسط هذا المناخ الضبابيِّ، ويأخذوا على عواتقهم مسؤوليةَ التربية الأخلاقية التي تبني نسيج الأخلاق في مختلف ميادين الحياة، وتسمو بها على كلِّ ما نحن فيه، فلا يتركوا الحبل على الغارب لتدمير أخلاق الأمة بدعوى الحرية والتحضر؛ فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))؛ متفق عليه.   إن هذا الواقع المؤلم يجعلنا نتلمَّس أسباب هذا الفشل، وكيفية علاجه في "التربية الناجحة للعفَّة" في القصص القرآني في قصة موسى مع بنتَي صاحب مدين (شعيب عليه السلام كما هو شائع). وهنا لا نسرد القصة كاملة، ولكن ما يهمنا هنا هو فقط الوقوف على نجاح تربية العفة عند الفتاتين في هذه القصة.   إن تربية ابنتَي صاحب مدين على العفة كانت تربيةً ناجحة بكلِّ المقاييس وبكلِّ المؤشِّرات، وأكبر دليل على ذلك أن الله عز وجل قد سرد لنا في القرآن الكريم قصتيهما ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾ [النساء: 87]، ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾ [النساء: 122]؛ لنتعلم منها خُلُقَ العفة كما جاء في واقع أحداث حياتهما في الحياة العمليَّة بطبيعتها الحقيقية دون تكلُّف أو تجمُّل أو تزييف عن الواقع، وهذا هو الدليل على نجاح تربيتهما تربيةً ناجحة بمقياس رب الكون ومليكِه.   هيا بنا نرى بعين البصيرة نتائج هذا النجاح كما يحكي لنا القرآن الكريم. ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ [القصص: 23 - 28].   1- خروج الفتاتين وقيامهما بالعمل: لقد خرجت الفتاتان وقامتا برعي وسقي الأغنام في بيئة رعوية مفتوحة، بها الكثير من الرُّعاة الآخرين، ولم يمنعهما من ذلك أنهما فتاتان، وفي نفس الوقت تحافظان على نفسيهما في وسط هذا الخضمِّ من الناس والجلبة، وهذا هو المقياس الحقيقيُّ للحفاظ على العفة في هذه البيئة المفتوحة، في الواقع الحقيقي للحياة والمجتمع الذي تعيشان فيه.   إن التربية على العفة في بيئة تخالف بيئةَ المجتمع الحقيقيِّ تكون تربية غير ناجحة في الغالب، فبمجرد خروج الفتاة إلى المجتمع الحقيقي بعد التربية في بيئة مغلقة أو مصطنعة لا تستطيع مواجهة المشكلات والمغريات التي تواجهها في الواقع الحقيقي، وهذا ما نلاحظه الآن في مجتمعاتنا. فليس هناك مانع من خروج المرأة للعمل، ولكن بضوابط منهج الإسلام.   2- تعامُل الفتاتين مع غيرهما من الرجال: لقد امتنعت الفتاتان عن مزاحمة الرجال في سقي الأغنام، ولم تطلبا من أحد من الرعاة أن يسقيَ لهما؛ حيث لم يجدا فيهم من يطمئن قلباهما له أو يَثِقْنَ فيه للتعامل معهما، فكانت عزلتهما عن الرعاة لحين انصرافهم، ولو وَجَدا من الرعاة من هو في خُلق موسى لفعلا معه ما فعلاه مع موسى عليه السلام، ولكن عندما تقدَّم إليهما موسى، وسألهما عن سبب وضعهما هذا، لم يتردَّدا في التحدث معه والاستجابة لتطوعه ليسقي لهما، فقد استشعَرا فيه الخُلق القويم من مجرد حديثه معهما، فتفاعلا معه بنفس الخلق في الحديث والتجاوب في العمل، وهذا هو خلق الإسلام.   فالإسلام لا يمنع النساء من التعامل مع الرجال لتحقيق أهداف نبيلة في الحياة بمنهج الله ولله، وما أحلاها وما أعظمها سورة النور "سورة العفة" وما بها من منهج تعامل النساء مع الرجال!   3- إرسال والد الفتاتين إحدى ابنتيه إلى موسى: لقد أرسل الرجلُ الصالح إحدى ابنتيه إلى موسى؛ لتدعوه إليه، والعجيب أنه لم يرسل الفتاتين معًا وهو الرجل الصالح، ولو كان في هذا التصرف خللٌ خلقيٌّ، لبيَّنَه لنا الله حتى نتجنَّبه، فالله عز وجل هو الذي يذكُرُ لنا هذا الحدث في قرآنه الكريم، وهذا يدل على عدم حرمة تعامل الرجال مع النساء بمنهج الله، كما أن هذا الموقف يدل على ثقة هذا الرجل في ابنته، وثقته في تربيته لها على العفة والخلق الكريم، وثقته فيما أبلغه بنتاه عن موسى، وقد يكون في نية هذا الرجل الصالح في إرسال فتاته هذه بمفردها هدفُ زواجه منها، كما ذكر بعض المفسرين، وهذا هدف حياتي نبيل فيه طهارة للبيت المسلم؛ ولذلك فهو هدف يحقق نجاح التربية على العفة في الحياة.   4- سلوك الفتاة مع موسى عليه السلام عند عودتها إليه: لقد كان في مظهر الفتاة ومشيتها ما أشاد به ربُّ العزة في قوله: ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾ [القصص: 25]، ما أجملَ هذا التعبير الربانيَّ لوصف جمال عفة هذه الفتاة! إن رب العزة هو الذي يصف ويقول، ولو قال هذا بشرٌ، لاعتبرناه قدحًا وذمًّا، ولكنه إشادة من الخالق البارئ المصور، الذي أحسن كلَّ شيء خلقه، فهو خالق هذه الفتاة، وهو الذي يشيد بها، أيُّ عفة هذه؟!   ما أجمل التعامل بين الأطهار! ﴿ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [النور: 26]. وعندما حدَّثت الفتاةُ موسى، كان حديثُها معه بأمر من أبيها، ولهدف محدد، وبأسلوب واضح لا لبس فيه ولا خنوع. هذا هو المطلوب في تعامل النساء مع الرجال في واقع الحياة؛ لذلك فهو سلوك ناجح بمقاييس الإسلام.   5- طلب إحدى الفتاتين من أبيها أن يستأجر موسى عليه السلام: عندما جاء موسى عليه السلام إلى والد الفتاتين وقَصَّ عليه أحواله، طلبت إحدى الفتاتينِ من أبيها أن يستأجره ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ [القصص: 26] دون أن تتردَّد ولا تتلعثم، ولا تخشى سوء الظن والتهمة، فهي بريئة النفس، نظيفة الحس، ومن ثم لا تخشى شيئًا، فهي ذات رأيٍ وفكر في حل المشكلات الحياتية بواقعية، وتعرض اقتراحها على أبيها وتشاركه همومه بإيجابية، وهذا هو النجاح الحقيقيُّ في الحياة التي خلقنا الله أن نحياها عبادة له، على منهجه، ومرضاة له.   إنها تحل مشكلتها وأختها حيث تعانيان من رعي الغنم، ومن مزاحمة الرجال على الماء، وتحل مشكلة موسى عليه السلام أيضًا، من أجل أن يجد له مأوى ومعاشًا، وقد تعبر أيضًا عن رغبتها في موسى عليه السلام للزواج منه على منهج الله ولله. أيُّ نجاحٍ هذا للتربية في واقع الحياة التي يريدها الله للبشرية أن تحياها؟! مع كل المتناقضات التي يراها البعض في هذه المواقف، فهذه هي الحياة بأبعادها المختلفة التي قد لا نستوعب أسرارها ومغزاها، إنها هي الاختبار الحقيقي لما بعدها، من الخلود في الجنة أو النار.   6- طلب الأب من موسى أن يزوجه إحدى ابنتيه: لقد استشعر الوالد رغبةَ ابنته في الزواج من موسى عليه السلام، فلم يتردد في تحقيق ذلك؛ لما وجد من صلاح موسى عليه السلام، وحل كثير من مشكلات الحياة للأطراف المختلفة، له ولابنتيه ولموسى بهذا الزواج، إنها الحياة بما فيها من مشكلات متداخلة، ومطلوب حلها بمنهج الله ولله، ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ﴾ [القصص: 27]، إنه لم يتردد في طلب ذلك من موسى عليه السلام، ولم يخجل من ذلك، ولم يعتبره عيبًا أخلاقيًّا، كما هو الحال بمقياس الكثير الآن، بل إن العيب هو الخروج على منهج الله، ويجب أن يكون الخجل منه ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ ﴾ [النساء: 108].   إن في تحقيق هذا الطلب تحقيقَ العفة لابنتيه ولموسى عليه السلام، وتطبيقًا لمنهج الله في الواقع الحياتي، فهذا هو النجاح في الدنيا والآخرة.   7 - طلب الأب من موسى عليه السلام أن يَأجُرَه ثماني حجج، فإن أتمهم عشرًا فيكون تطوعًا منه، مقابل زواجه من ابنته: قال الرجل الصالح لموسى عليه السلام: كلُّ ذلك بشرط أن تكون أجيرًا لي ثماني سنين، ترعى فيها غنمي، ﴿ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [القصص: 27]؛ أي فإن أكملتها عشرَ سنين فذلك تفضُّل منك، وقد يظن البعض - وأنا كنت منهم (الكاتب) - أن في هذا الطلب (طول المدة) إجحافًا وغبنًا لموسى عليه السلام، ولكن بالرجوع إلى حالة موسى عليه السلام، نجد أنه طريد، وليس له مكان يَأويه ويشعر فيه بالأمان، ومن ثم فإن طول مكوثه مع هذا الرجل الصالح، وزواجه من ابنته - فيه الأمان والراحة النفسية له، ففي هذا مصلحة لكل الأطراف، وحل واقعيٌّ لمشكلاتهم معًا.   وبعدَ هذا التحليل لنجاح التربية في مجال العفة الذي وجدناه في منهج الله الذي عرضه علينا القرآنُ الكريم في هذا القصص الرائع، لم يبقَ لنا إلا أن نتبع نهج هذه التربية لبناتنا، ولا نتركهنَّ لغيرنا لتربيتهن على منهج الشياطين من الإنس الذين تفوَّقوا على شياطين الجن.



شارك الخبر

المرئيات-١