أرشيف المقالات

التقليد في تحقيق المناط

مدة قراءة المادة : 12 دقائق .
2التقليد في تحقيق المناط
بحَث الشَّاطبي تحقيق المناط بحثًا موسعًا، ومتميزًا، وقد سبق أن عرضنا ما يتعلق بمباحث الاجتهاد من تحقيق المناط، وبقي من مباحثه مبحثٌ يتعلق بالتقليد، وفي هذا المطلب نبين رأي الشَّاطبي في خاتمة مباحث تحقيق المناط، وهو حكم التقليد فيه.   رأي الشَّاطبي: الشَّاطبي يرى جواز التقليد في تحقيق المناط في الجملة، ويمكن تفصيل ذلك بالنظر إلى أقسام تحقيق المناط، وتحقيق المناط ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: هو تحقيق المناط النوعي، وهو المسنَد إلى أهل الخبرة، سواء كانوا علماء في علم الشريعة أم خبراء في فنونهم. والشَّاطبي قد صرَّح بجواز التقليد في هذا النوع، فقال: "وقد يكون من هذا القسم ما يصح فيه التقليد، وذلك فيما اجتهد فيه الأوَّلون من تحقيق المناط إذا كان متوجِّهًا على الأنواع لا على الأشخاص المعينة، كالمِثل في جزاء الصيد"[1]؛ فالأوَّلون رأوا أن في الضبع كبشًا، وفي الغزال عنزًا، وفي الأرنب عَناقًا، وفي البقرة الوحشية بقرة، وفي الظباء شاة، ونحو ذلك؛ كتحقيق وقت البلوغ، والرقبة الواجبة في الكفارة، وما كان على هذا السبيل، فهذا النوع يقلَّد فيه المتقدمون، ولا حرجَ في تقليدهم.   ويقول الشَّاطبي عما يكون انقطاعه من أنواع الاجتهاد: "..
بخلاف غيره؛ فإن الوقائع المتجددة التي لا عهد بها في الزمان المتقدم قليلة بالنسبة إلى ما تقدم؛ لاتساع النظر والاجتهاد من المتقدمين، فيمكن تقليدهم فيه؛ لأنه معظم الشريعة، فلا تتعطل الشريعة بتعطُّل بعض الجزئيات"[2]، والشَّاطبي هنا يتحدث عن أنواع الاجتهاد التي لا تنقطع، ومنها نوع من تحقيق المناط، وهو تحقيق المناط النوعي المرتبط بعلماء الشريعة، فلما أمكن انقطاعُ الاجتهاد لم يبقَ للقوم إلا تقليدُ العلماء السابقين.   ويقول الشَّاطبي وهو يقرر جواز التقليد في تحقُّق المناط النوعي المرتبط بأهل الخبرة: "إن العلماء لم يزالوا يقلدون في هذه الأمور مَن ليس من الفقهاء، وإنما اعتبروا أهل المعرفة بما قلدوا فيه خاصة، وهو التقليد في تحقيق المناط"[3]، ويقول: "كذلك يصح أن يسلِّم المجتهد من القارئ أن قوله تعالى: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ ﴾ [المائدة: 6] بالخفضِ، مرويٌّ على الصحة، ومِن المحدِّث أن الحديث الفلاني صحيح أو سقيم، ومن عالم الناسخ والمنسوخ أن قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180] منسوخٌ بآية المواريث، ومِن اللُّغوي أن القُرء يطلق على الطُّهر والحيض، وما أشبه ذلك"[4].   فإذًا يصح التقليد في تحقيق المناط، وليس الأمر مرتبطًا بالعامة للعلماء وأهل الخبرة فحسب، بل وبالعلماء لأهل الخبرة في فنونهم أيضًا.   والقسم الثاني من تحقيق المناط: هو المرتبط بالأشخاص أو الأعيان. ويقول الشَّاطبي في النوع العام منه: "ولا يمكن استيفاء القول في آحادها، فلا يمكن أن يستغنى ها هنا بالتقليد؛ لأن التقليد إنما يتصور بعد تحقيق مناط الحكم المقلد فيه، والمناط هنا لم يتحقَّقْ بعدُ؛ لأن كل صورة من صور النازلة، نازلةٌ مستأنفة في نفسها لم يتقدم لها نظير، وإن تقدم لها في نفس الأمر لم يتقدم لنا، فلا بد من النظر فيها بالاجتهاد..."[5].   فالشَّاطبي هنا يرى عدم جواز التقليد في تحقيق المناط العام، ولكن لا بد من بيان المعنى الذي أراده في هذا الموضع؛ لأنه قد قال في موضع آخر بعد كلام له فيما إذا أشكل على المكلف تحقيق مناط خاص به؛ كأن "أشكل على المالك تحقيق مناطه لم ينصرف إلى إحدى الجهتين؛ كاختلاط الميتة بالذَّكيَّة، واختلاط الزوجة بالأجنبية"، قال: "فها هنا قد وقع الريبُ، والشك، والإشكال، والشبهة، وهذا المناط محتاج إلى دليل شرعي يبين حكمه"، ثم قال: "فإن تحقيقك لمناط مسألتك أخص بك من تحقيق غيرك له إذا كان مثلك، ويظهر ذلك فيما إذا أشكل عليك المناط، ولم يشكِل على غيرك؛ لأنه لم يعرض له ما عرض لك"، ثم قال: "نعم قد لا يكون لك دربة أو أنس[6] بتحقيقه، فيحققه لك غيرك وتقلده فيه.."[7]. فكلامه السابق يبين فيه عدم جواز التقليد في تحقيق المناط الشخصي الخاص، وفي كلامه الآخر يجوِّز ذلك عند عدم المعرفة.   والذي يظهر أنه لا اختلاف ولا تضادَّ بين كلامه في الموضعين؛ فالتقليد الذي منَع غيرُ التقليد الذي أجازه؛ فالتقليد الممنوع في نظر الشَّاطبي هو أن يقلد العامي في تحقيق مناط مسألته التي لم يحقق مناطها شخصًا آخر في مناط حققه لمسألته الخاصة به، ومثال ذلك: ما لو لم يحقق العامي المقدار الواجب عليه في النفقة، فليس له أن يقلد شخصًا آخر قد حقق مناط نفسه؛ لاحتمال اختلاف المناطين، وكما لو اختلطت عليه مياه، أو اختلطت عليه مَيْتة بمُذكَّاة، فليس له تقليدُ آخرَ قد اختلطت عنده المياه، أو اختلط عليه ميتة بمذكاة، فحقق فيهما المناط، واستبان فيهما الإشكال لديه.   أما التقليد الجائز، فهو أن يقلد شخصًا اجتهد في تحقيق مناط مقلده، كمن اختلطت عليه المياه، أو اختلطت عليه ميتة بمذكاة، أو كان لم يحقق مناط نفسه فيما يجب عليه من النفقة، فاستعان بمن يحقق له مناط نفسه، فلا بأس أن يقلده في تحقيق مناط نفسه، وإن كان ولا شك تحقيق مناط نفسه لنفسه أَوْلى من تحقيق غيره له.   أما النوع الخاص من تحقيق المناط، والمرتبط بالأعيان أو الأشخاص، فيقول فيه الشَّاطبي: "فتحقيق المناط الخاص نظرٌ في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية، بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة، حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرُّز من تلك المداخل"[8].   فيُفهَم من كلام الشَّاطبي جواز التقليد في هذا النوع بقسميه: المنحتم، وغير المنحتم؛ إذ غير المنحتم كالمنحتم، يلقيه العالم على العامي فيقلده فيه العامي[9].   وقد وافق الأصوليون الشَّاطبيَّ في جواز التقليد في تحقيق المناط النوعي، وقد نص على جوازه ابن القصار، ونقله عن الإمام مالك فقال: "يجوز عند مالك أن يقلد القائف في إلحاق الولد بمن يلحقه..."[10]، وقال: "ويجوز تقليد التجار في تقويم المتلفات"[11]، وبمثله قال في القاسم، والخارص، والطبيب، والملاح[12]، ووافقه القرافي[13]، وابن جزي[14]، ونص عليه ابن عاصم في منظومته، فقال: ومَن له شيءٌ مِن المعارفِ ♦♦♦ قلَّد والأَصْلُ القضَا بالقائفِ[15]   ويُفهَم هذا من كلام ابن عقيل[16]، والطوفي[17]، وأشار بعض الأصوليين إلى أن المجتهد فيما لم يعلمه، كالنَّحْو في مسألة نَحْوية، وعلم الرجال في مسألة خبرية، فهو كالعامي فيما لم يعلمه، وعليه فيجوز له التقليد[18]. وأشار أبو الخطاب إلى أن العالم له تقليد أهل الحديث في مسألة حديثية بالإجماع[19].   ولا يظهر أن أحدًا يخالف في ذلك؛ فإن العلماء ما زالوا يقلدون هؤلاء، وينصُّون على الرجوع إليهم، وما زال العامة يقلدون علماء الشريعة فيما حققوا من مناطاتها، وقلما يخلو كتاب من كتب الفقه إلا وفيه النص على تقليد الأقدمين في جزاء الصيد، ونحوه مما هو من هذا النوع من تحقق المناط.   وأما تحقيق المناط الشخصي العام، فنصَّ ابن القصار على جواز التقليد فيه، ونقله عن مالك، فقال: "عند مالك - رحمه الله - ليس للعامي أن يقلد عاميًّا بوجه، إلا في أشياء، منها رؤية الهلال...
ويقبل قول القصاب في الذكاة"[20]، وهذا من تحقيق المناط العام، وقد تبعه على ذلك القرافي[21]، وابن جزي[22].   وأما الخاص من تحقيق المناط الشخصي، فلم أرَ مَن ذكره، أو أشار إلى حكم التقليد فيه، غير أنه من لوازم من رآه؛ لأن المستفتي إذا عرض مسألته على المفتي، فحقق المفتي المناط الخاص بذلك الشخص وأفتاه به، فإن مِن لوازم ذلك تقليد المستفتي له فيما أفتاه به، وإلا لما كان ثم فائدة من سؤاله له.


[1] الموافقات (5/ 17). [2] الموافقات (5/ 39). [3] الموافقات (5/ 130). [4] الموافقات (5/ 47 - 48) وانظر منه: (5/ 46، 57، 128 - 129). [5] الموافقات (5/ 14). [6] كذا في الاعتصام تحقيق/ الهلالي (2/ 668)، بينما وقع في تحقيق/ أحمد عبدالشافي: "ذلك درية أو أنسًا". [7] الاعتصام (2/ 388 - 389). [8] الموافقات (5/ 24 - 25). [9] انظر: الموافقات (5/ 25). [10] المقدمة (14). [11] المقدمة (16). [12] انظر: المقدمة (16 - 19). [13] انظر: شرح تنقيح الفصول (433 - 434). [14] انظر: تقريب الوصول (451 - 452). [15] مرتقى الوصول (140). [16] انظر: الواضح (ت: التركي 1/ 279). [17] انظر: شرح مختصر الروضة (3/ 192 - 193). [18] انظر: المستصفى (2/ 384) روضة الناظر (2/ 377) شرح الكوكب المنير (4/ 517). [19] انظر: التمهيد (4/ 401). [20] المقدمة (23 - 24). [21] انظر: شرح تنقيح الفصول (434). [22] انظر: تقريب الوصول (453).



شارك الخبر

ساهم - قرآن ١