أرشيف المقالات

بيع العينة

مدة قراءة المادة : 18 دقائق .
2بيع العينة
  المطلب الأول: تعريف بيع العينة: البيع في اللغة ضد الشراء، والبيع: الشراء أيضًا، وهو من الأضداد[1]، قال ابن فارس: "الباء والياء والعين أصل واحد، وهو بيع الشيء، وربما سمي الشرى بيعًا.
والمعنى واحد"[2].   والبيع في الاصطلاح هو: "مبادلة المال بالمال، تمليكًا، وتملّكًا"[3].
وله تعريفات أخرى قريبة من هذا المعنى[4]. أما تعريف العينة في اللغة فهي مأخوذة من العين، وهو النقد الحاضر، وسميت عينة لحصول النقد لطالب العينة[5].   وأما العينة في الاصطلاح: فـ"هي أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به"[6]، وللعينة صور كثيرة في المذاهب الفقهية، وهذه أشهرها[7].   المطلب الثاني: حكم بيع العينة: اختلف الفقهاء في حكم بيع العينة على قولين: القول الأول: أن بيع العينة محرم.
وهو قول الحنفية[8]، والمالكية[9]، والحنابلة[10]. القول الثاني: أن بيع العينة جائز.
وهو قول الشافعية[11]، والظاهرية[12].   أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال:" سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» رواه أبو داود وغيره[13].   وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث وعيدًا وزجرًا على من ارتكب هذه الخصال التي وردت في الحديث، ومنها: التبايع بالعينة، ولو لم تكن محرمة لما جاء فيها هذا الوعيد الشديد[14].   نوقش: بأن هذا الحديث ضعيف لا ينهض دليلًا على التحريم[15]، و"تفرد الضعفاء بهذا الحديث على أهميته علّة فيه توجب رده، إذ لو كان الحديث صحيحًا لم يتفرد به هؤلاء الضعفاء"[16]، وليس في الحديث دلالة على تحريم كل خصلة من هذه الخصال بانفرادها، بل التحريم لجميع هذه الخصال إذا أشغلت عن الجهاد في سبيل الله، فالذل لا يكون إلا بترك الجهاد[17].   الدليل الثاني: عن أبي إسحاق[18]، عن امرأته، أنها دخلت على عائشة رضي الله عنها في نسوة فسألتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين، كانت لي جارية، فبعتها من زيد بن أرقم بثمان مائة إلى أجل، ثم اشتريتها منه بست مائة، فنقدته الستمائة، وكتبت عليه ثمان مائة، فقالت عائشة رضي الله عنها: "بئس والله ما اشتريت، وبئس والله ما اشترى، أخبري زيد بن أرقم: أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب"؛ فقالت المرأة لعائشة رضي الله عنها: أرأيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل؟ قالت: ﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى ﴾ [البقرة: 275][19]الآية، أو قالت: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ ﴾ [البقرة: 279][20] الآية" مصنف عبدالرزاق[21].   وجه الدلالة من الأثر: بأن هذا التغليظ من عائشة رضي الله عنها على هذا البيع يدل على تحريمه، "والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتقدم عليه، إلا بتوقيف سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرى مجرى روايتها ذلك عنه"[22].   نوقش: بأن هذا الأثر لا يحتج به من حيث السند[23]، "ومنكر اللفظ لا أصل له؛ لأن الأعمال الصالحة لا يحبطها الاجتهاد، وإنما يحبطها الارتداد، ومحال أن تلزم عائشة زيدًا التوبة برأيها ويكفره اجتهادها فهذا ما لا ينبغي أن يظن بها ولا يقبل عليها"[24].   الدليل الثالث: أن العينة حيلة للتوصل للربا[25]، "لأنها يتوصل بها إلى دفع قليل في كثير، وإن لم يصرح المتعاقدان بذلك"[26]، قال النووي:"واحتج بهذا الحديث أصحابنا وموافقوهم في أن مسألة العينة ليست بحرام، وهي الحيلة التي يعملها بعض الناس توصلًا إلى مقصود الربا، بأن يريد أن يعطيه مائة درهم بمائتين فيبيعه ثوبا بمائتين ثم يشتريه منه بمائة"[27]، فالنووي يصرح أن العينة حيلة للوصول للربا، والمجيزون للعينة لا يرون تحريم الحيل، والعبرة عندهم بظاهر العقود دون مقاصدها[28]، وقد سبق ذكر الخلاف في الحيل، وبيان رجحان تحريمها[29].   الدليل الرابع: أن العينة محرمة حتى لو لم يقصد البائع بها التحايل على الربا؛ سدًا للذريعة، قال ابن تيمية:" الذرائع حرمها الشارع، وإن لم يقصد بها المحرم، خشية إفضائها إلى المحرم، فإذا قصد بالشيء نفس المحرم كان أولى بالتحريم من الذرائع، وبهذا التحرير يظهر علّة التحريم في مسائل العينة وأمثالها، وإن لم يقصد البائع الربا؛ لأن هذه المعاملة يغلب فيها قصد الربا، فيصير ذريعة، فيسد هذا الباب لئلا يتخذه الناس ذريعة إلى الربا"[30].   أدلة القول الثاني: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275][31]. وجه الدلالة من الآية: أن الله أحل كل بيع إلا ما دل الدليل على تحريمه، والعينة من البيع الحلال؛ لعدم ثبوت الدليل بحرمتها[32].   نوقش: بأن الدليل دل على تحريم العينة؛ وهذه الآية من ضمن الأدلة التي تحرم العينة؛ لأن الله حرم الربا، والعينة ربًا وليست بيعًا، وإن سماها مستحلها بيعًا؛ فإن الله لم يحرم الربا لمجرد صورته ولفظه، وإنما حرم لحقيقته ومقصوده، وتلك الحقيقة قائمة فى العينة، والمتعاقدان يعلمان ذلك من أنفسهما، ويعلمه من شاهد حالهما، فتواطؤهما على الربا، ثم إظهاره بيعًا، يتوسلان به إلى أن يعطيه مائة حالّة بمائة وعشرين مؤجلة، فهذا ليس من البيع المأذون فيه، بل من الربا المنهي عنه[33].   الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، قَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلاَثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَفْعَلْ، بِعْ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» متفق عليه[34].   وجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفصل بين أن يشتري من المشتري أو من غيره، فقط أرشده إلى الخلاص من الربا بذلك، وان كان المقصود تحصيل الجنيب بالجمع، فدل على جواز العينة[35].   نوقش: بأن الحديث إنما كان لبيان الطريق الذي يتم به الحصول على التمر الجنيب لمن عنده تمر رديء، ولم يتعرض الحديث لشروط البيع أو موانعه، ولا لجواز شراء التمر الجنيب ممن باع منه التمر الأول، ولا عدمه؛ إنما أحيل المخاطب إلى البيع الصحيح المكتمل الشروط المنتفي الموانع الذي يتعارفه الناس، وليس في الحديث الإذن في بيع يكون وسيلة وذريعة ظاهرة إلى ما هو ربا صريح[36].   الدليل الثالث: أن من اشترى السلعة ممن باعها له بعد مدة؛ فالبيع صحيح بالإجماع، فكذلك إذا اشتراها منه بعدما باعها له مباشرة، فلا فرق بين التعجيل والتأجيل[37].   يناقش: بأنه لا يسلم بعدم وجود الفرق بين التعجيل والتأجيل، فإن وجود المدة دلالة على أن المتبايعين يريدان حقيقة البيع، بعكس بيع السلعة على البائع مباشرة فإنه يدل على أن المتبايعين لا يريدان حقيقة البيع، إنما كانت السلعة وسيلة لمبادلة دراهم بدراهم وزيادة.   الترجيح: بعد عرض القولين، وأدلتهما، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي - والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول القائل أن بيع العينة محرم؛ وذلك لأن العينة حيلة للتوصل للربا، ولو فرض أن البائع لا يقصد الربا، فهي ذريعة للربا، وتمنع سدًا للذريعة.


[1] انظر: لسان العرب 8/ 23، المصباح المنير، للفيومي 1/ 69. [2] معجم مقاييس اللغة، لابن فارس 1/ 327. [3] المغني، لابن قدامة 3/ 480. [4] انظر: المبسوط، للسرخسي 12/ 181، مواهب الجليل، للحطاب 4/ 222، المجموع، للنووي 9/ 149. [5] انظر: معجم مقاييس اللغة، لابن فارس 4/ 203، تاج العروس، للزبيدي 35/ 457. [6] الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي 3/ 360. [7] انظر: حاشية ابن عابدين 5/ 325، الكافي في فقه أهل المدينة، لابن عبدالبر 2/ 672، فتح العزيز، للرافعي 8/ 231، شرح منتهى الإرادات، للبهوتي 2/ 25. [8] انظر: بدائع الصنائع، للكاساني 5/ 198، العناية شرح الهداية، للبابرتي 7/ 212-213. [9] انظر: الرسالة، للقيرواني، ص108، مختصر خليل، ص150. [10] انظر: المغني، لابن قدامة 4/ 132، كشاف القناع، للبهوتي 3/ 185. [11] انظر: الأم، للشافعي 3/ 79، روضة الطالبين، للنووي 3/ 418-419. [12] انظر: المحلى، لابن حزم 7/ 548. [13] رواه أبو داود، كتاب البيوع، باب في النهي عن العينة، برقم 3462، وأحمد، مسند عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، برقم 4825.
وللحديث ثلاثة طرق كلها ضعيفة؛ الطريق الأول: عند أبي داود من رواية إسحاق أبي عبدالرحمن عن عطاء الخرساني، عن نافع عن ابن عمر، وعطاء الخرساني لم يسمع من ابن عمر كما ذكر ذلك ابن معين، وأحمد، وأبو حاتم.
وإسحاق ابو عبدالرحمن ضعيف؛ قال أبو حاتم: "شيخ ليس بالمشهور لا يشتغل به"، وعد الذهبي في الميزان هذا الحديث من مناكيره.
الطريق الثاني: عند أحمد من رواية الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح لم يسمع من ابن عمر كما ذكر ذلك الإمام أحمد، والأعمش مدلس ولم يصرح بالسماع من عطاء، ويرى ابن حجر في التلخيص، أن عطاءً هنا هو عطاء الخراساني فرجع الحديث إلى الإسناد الأول.
الطريق الثالث: عند أحمد من رواية أبي جناب عن شهر بن حوشب عن ابن عمر، وأبو جناب وشهر بن حوشب ضعيفان.
انظر: المراسيل، لابن أبي حاتم، ص154، 156، تهذيب الكمال، للمزي 2/ 413، 12/ 583، ميزان الاعتدال، للذهبي 4/ 547، 4/ 371، تقريب التهذيب، لابن حجر، ص392، التلخيص الحبير، لابن حجر 3/ 48. [14] انظر: فيض القدير، للمناوي 1/ 397. [15] انظر تخريج الحديث، وقال الشوكاني في شرح هذا الحديث: "وجوز ذلك الشافعي...وطرحوا الأحاديث المذكورة في الباب".
نيل الأوطار، للشوكاني 5/ 245، وقال الصنعاني: "والحديث له طرق عديدة عقد له البيهقي بابا وبين عللها...ولعلهم يقولون: حديث العينة فيه مقال فلا ينهض دليلا على التحريم".
سبل السلام، للصنعاني 2/ 57-58. [16] المعاملات المالية، للدبيان 11/ 400. [17] انظر: نيل الأوطار، للشوكاني 5/ 246. [18] هو عمرو بن عبدالله، أبو أسحاق السبيعي، من أئمة التابعين بالكوفة، كان صوامًا قوامًا، توفي عام 129ه.
انظر: تهذيب الكمال، للمزي 22/ 102، ميزان الاعتدال، للذهبي 3/ 270. [19] سورة البقرة، الآية 275. [20] سورة البقرة، الآية 279. [21] كتاب البيوع، باب الرجل يبيع السلعة ثم يريد اشتراءها بنقد، برقم14812.
والأثر ضعيف؛ لجهالة أم محبة والعالية، قال الدارقطني:" أم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما"، وممن ضعفه الشافعي، وقال ابن عبدالبر:" وهو خبر لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولا هو مما يحتج به عندهم".انظر: سنن الدارقطني 3/ 477، الأم، للشافعي 3/ 38-39، الاستذكار، لابن عبدالبر 6/ 272. [22] المغني، لابن قدامه 4/ 132. [23] انظر تخريج الأثر. [24] الاستذكار، لابن عبدالبر 6/ 272. [25] انظر: العناية شرح الهداية، للبابرتي 7/ 148، الكافي في فقه أهل المدينة، لابن عبدالبر 2/ 672. [26] الفواكه الدواني، للنفراوي 2/ 102. [27] المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي 11/ 21. [28] اانظر: فتح الباري، لابن حجر 12/ 337. [29] سبق نشر بحث الحيل في موقع الألوكة. [30] الفتاوى الكبرى، لابن تيمية 6/ 173. [31] سورة البقرة، الآية 275. [32] انظر: تهذيب الفروق، لمحمد بن علي بحاشية الفروق للقرافي 3/ 276. [33] انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم 1/ 352، 2/ 105. [34] سبق تخريجه ص39. [35] انظر: تكملة المجموع، للسبكي 10/ 155-156، فتح الباري، لابن حجر 4/ 400 - 401. [36] انظر: المفهم، للقرطبي 4/ 483، إعلام الموقعين، لابن القيم 3/ 174 - 176. [37] انظر: فتح الباري، لابن حجر 4/ 401.



شارك الخبر

فهرس موضوعات القرآن