أرشيف المقالات

أنواع الأعمال، وكيف نختارها؟

مدة قراءة المادة : 13 دقائق .
2أنواع الأعمال، وكيف نختارها؟

ينطلق ابن تيمية من قاعدة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، بل يذهب إلى أكثر من هذا فيجعل من التفكير العقلي والتأمل في آيات الله تعالى أسبابًا لترسيخ الإيمان في القلب وتعميقه، وصلة العقل بالإيمان هنا تذكرنا بكلمة جارودي الجامعة (إن الإيمان عقل بغير حدود)!!
 
إن عوامل تقوية الإيمان كثيرة (مثل استماع القرآن، ورؤية أهل الإيمان، والنظر في أحوالهم، ومعرفة أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعجزاته، والنظر في آيات الله تعالى، والتفكر في أحوال الإنسان نفسه، والضروريات التي يحدثها الله للعبد تضطره إلى الذل إلى الله والاستسلام له، واللجوء إليه)[1].
 
ومع هذه الطرق الدائرة في فلك النظر والتفكر والتأمل والدراسة العلمية.
يأتي البحث عن الطرق العلمية التي يقوى بها الإيمان، فهل نبدأ بالزهد أم بالعلم أم بالعبادة؟ أم نجمع بين ذلك كله بحسب الطاقة؟
أجاب شيخ الإسلام بقوله:
لا بد من الإيمان الواجب، والعبادة الواجبة، والزهد الواجب، ثم الناس يتفاضلون في الإيمان، كتفاضلهم في شعبه، وكل إنسان يطلب ما يمكنه طلبه، ويقدم ما يقدر على تقديمه من الفضائل، والناس يتفاضلون في هذا الباب: فمنهم من يكون العلم أيسر عليه من الزهد، ومنهم من يكون الزهد أيسر عليه، ومنهم من تكون العبادة أيسر عليه منهما.
فالمشروع لكل إنسان.
بفعل ما يقدر عليه من الخير، كما قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16].
 
وإذا ازدحمت شعب الإيمان قدم ما كان أرضى لله وهو عليه أقدر، فقد يكون على المفضول أقدر منه على الفاضل، ويحصل له أفضل مما يحصل من الفاضل، فالأفضل لهذا أن يطلب ما هو أنفع له، وهو في حقه أفضل، ولا يطلب ما هو أفضل مطلقًا، إذا كان متعذرًا في حقه أو متعسرًا يفوته ما هو أفضل له وأنفع كمن يقرأ القرآن بالليل فيتدبره وينتفع بتلاوته والصلاة تثقل عليه ولا ينتفع منها بعمل، أو ينتفع بالذكر أعظم مما ينتفع بالقراءة، فأي عمل كان له أنفع ولله أطوع أفضل في حقه من تكلف عمل ما لا يأتي به في وجهه).
 
ويقسم الزهد إلى قسمين:
أحدهما: الزهد ضد الرغبة كالبغض المخالف للمحبة والكراهية المخالفة للإرادة والثاني: الشيء المزهود فيه.
 
إن حقيقة المشروع منه أن يكون كراهية العبد وبغضه وحبه تابعًا لحب الله وبغضه ورضاه وسخطه، فيحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله ويرضى ما يرضاه ويسخط ما يسخط الله بحيث لا يكون تابعًا هواه بل لأمر مولاه.
 
وبالمعنى الثاني فمن الملاحظ أن كثيرًا من الزهاد في الحياة الدنيا أعرضوا عن فضولها ولم يقبلوا على ما أحبه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وليس مثل هذا الزهد يأمر الله به ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولهذا كان في المشركين زهاد وفي أهل الكتاب زهاد وفي أهل البدع زهاد.
 
والآن، بعد أن عرفنا أن سلوكنا ينبغي أن يكون تابعًا لما يحبه الله تعالى ويرضاه ووفقًا لما يأمرنا به وينهانا فما الطريق للوصول إلى ذلك؟ يجيب الشيخ على ذلك مستدلًا بالحديث الصحيح: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف..)).
 
وما دام الأمر كذلك فينبغي علينا الاجتهاد في فعل المأمور وترك المحظور والاستعانة به - عز وجل - على ذلك، ففي صحيح مسلم عن النبي أنه قال -صلى الله عليه وسلم-: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)).
 
وفي السنن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى على رجل فقال المقضي عليه: ((حسبي الله ونعم الوكيل فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل)).
 
ويشرح ابن تيمية الحديث ببيان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أمر العبد بأن يحرص على ما ينفعه، ويستعن بالله على ذلك.
 
ولكن المنفعة في الحديث مشروطة بالاجتهاد في الخير، وهو العبادة (فإن كل ما ينفع العبد فهو مأمور بطلبه، وإنما ينهى عن طلب ما يضره - وإن اعتقد أنه ينفعه - كما يطلب المحرمات وهي تضره، ويطلب المفضول الذي لا ينفعه، والله تعالى أباح للمؤمنين الطيبات وهي ما تنفعهم، وحرم عليهم الخبائث وهي ما تضرهم)[2].
 
ولكن، ربما يرد بخاطر القارئ ما يجول في الأذهان عن ارتباط الأوامر الدينية بالنفع والضرر.
أي: هل الأوامر تتعلق فقط بتحقيق النفع وتجنب الضرر، أم هناك حكم أخرى في بعض الأوامر الدينية نجهل الحكمة منها؟
إزاء هذه الخواطر يجيبنا ابن تيمية:
ينظر شيخ الإسلام إلى الحكمة من الأوامر الدينية الشرعية مقسمًا إياها إلى ثلاثة أقسام:
إحداها:
أن تكون في نفس الفعل - وإن لم يأمر به - كما في الصدق والعدل ونحوها من المصالح الحاصلة لمن فعل ذلك، وإن لم يؤمر به.
والله تعالى يأمر بالصلاح وينهى عن الفساد، فإنه سبحانه يأمر بالعدل وينهى عن الظلم، ولهذا لاحظ ابن تيمية أن الله تعالى ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الضالة ولو كانت مؤمنة.
 
النوع الثاني:
أن ما أمر به وفى عنه صار متصفًا بحسن اكتسبه من الأمر وقبح اكتسبه من النهي كالخمر التي كانت لم تحرم ثم حرمت فصارت خبيثة والصلاة إلى الصخرة ببيت المقدس التي كانت حسنة فلما نهى عنها صارت قبيحة.
فإن ما أمر به يحبه ويرضاه وما نهى عنه يبغضه ويسخطه.
 
وهو إذا أحب عبدًا ووالاه أعطاه من الصفات الحسنة ما يمتاز بها على من أبغضه وعاداه.
وكذلك المكان والزمان الذي يحبه ويعظمه كالكعبة وشهر رمضان - يخصه بصفات يميزه بها على ما سواه بحيث يحصل في ذلك الزمان والمكان من رحمته وإحسانه ونعمته ما لا يحصل في غيره.
 
فإن قيل الخمر قبل التحريم وبعده سواء فتخصيصها بالخبث بعد التحريم ترجيح بلا مرجح.
 
قيل ليس كذلك بل إنما حرمها في الوقت الذي كانت الحكمة تقتضي تحريمها.
وليس معنى كون الشيء حسنًا وسيئًا مثل كونه أسود وأبيض بل هو من جنس كونه نافعًا وضارًا وملائمًا ومنافرًا وصديقًا وعدوًا ونحو هذا من الصفات القائمة بالموصوف التي تتغير بتغير الأحوال.
فقد يكون الشيء نافعًا في وقت ضارًا في وقت، والشيء الضار قد يترك تحريمه إذا كانت مفسدة التحريم أرجح كما لو حرمت الخمر في أول الإسلام، فإن النفوس كانت قد اعتادتها عادة شديدة ولم يكن حصل عندهم من قوة الإيمان ما يقبلون ذلك التحريم، ولا كان دينهم تاما حتى لم يبق فيه نقص إلا ما يحصل بشرب الخمر من صدها عن ذكر الله وعن الصلاة فلهذا وقع التدريج في تحريمها فأنزل الله أولًا فيه: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾ [البقرة: 219] ثم أنزل فيها لما شربها
 
طائفة وصلوا فغلط الإمام أثناء القراءة، آية النهي عن الصلاة سكارى ((النساء: 43)) ثم أنزل الله آية التحريم ((المائدة: 90)).
 
النوع الثالث:
أن تكون الحكمة ناشئة من نفس الأمر وليس في الفعل البتة مصلحة، لكن المقصود ابتلاء العبد هل يطيع أو يعصي، فإذا اعتقد الوجوب وعزم على الفعل حصل القصود بالأمر فينسخ حينئذ، كما جرى للخليل في قصة الذبح: فإنه لم يكن الذبح مصلحة ولا كان هو مطلب الرب في نفس الأمر، بل كان مراد الرب ابتلاء إبراهيم ليقدم طاعة ربه ومحبته على محبة الولد، ولا يبقى الله أن يهبه إياه وهو خليل الله - فأراد تعالى تكميل خلته لله بأن لا يبقى في قلبه ما يزاحم به محبة ربه.
 
﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴾ [الصافات: 103 - 106] ومثل هذا الحديث الذي في (صحيح البخاري) حديث أبرص وأقرع وأعمى كان المقصود ابتلاءهم لا نفس الفعل[3].
 
وفيما يلي نص الحديث المشار إليه:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إنَّ ثَلاثَةً مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ: أبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى، أَرَادَ اللهُ أنْ يَبْتَليَهُمْ فَبَعَثَ إِليْهمْ مَلَكاً، فَأَتَى الأَبْرَصَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسنٌ، وَجِلدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ؛ فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ وَأُعْطِيَ لَوناً حَسنَاً.
فَقَالَ: فَأيُّ المَالِ أَحَبُّ إِليكَ؟ قَالَ: الإِبلُ - أَوْ قالَ: البَقَرُ شكَّ الرَّاوي - فَأُعطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَاركَ الله لَكَ فِيهَا.
 
فَأَتَى الأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَذِرَني النَّاسُ؛ فَمَسَحَهُ فَذَهبَ عَنْهُ وأُعْطِيَ شَعراً حَسَناً.
قالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِليْكَ؟ قَالَ: البَقَرُ، َأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلاً، وَقالَ: بَارَكَ الله لَكَ فِيهَا.
 
فَأَتَى الأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ الله إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرُ النَّاسَ؛ فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصَرهُ.
قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِليْكَ؟ قَالَ: الغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً والداً، فَأَنْتَجَ هذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا، فَكانَ لِهذَا وَادٍ مِنَ الإِبلِ، وَلِهذَا وَادٍ مِنَ البَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الغَنَمِ.
 
ثُمَّ إنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ في صُورَتِهِ وَهَيئَتِهِ، فَقَالَ: رَجلٌ مِسْكينٌ قَدِ انقَطَعَتْ بِيَ الحِبَالُ في سَفَري فَلا بَلاغَ لِيَ اليَومَ إلاَّ باللهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذي أعْطَاكَ اللَّونَ الحَسَنَ، والجِلْدَ الحَسَنَ، وَالمَالَ، بَعِيراً أَتَبَلَّغُ بِهِ في سَفَري، فَقَالَ: الحُقُوقُ كثِيرةٌ.
فَقَالَ: كأنِّي اعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فقيراً فأعْطَاكَ اللهُ!؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا المالَ كَابِراً عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إنْ كُنْتَ كَاذِباً فَصَيَّرَكَ الله إِلَى مَا كُنْتَ.
 
وَأَتَى الأَقْرَعَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذا، وَرَدَّ عَلَيهِ مِثْلَ مَا رَدَّ هَذَا، فَقَالَ: إنْ كُنْتَ كَاذِباً فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ.
 
وَأَتَى الأَعْمَى في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكينٌ وابنُ سَبيلٍ انْقَطَعتْ بِيَ الحِبَالُ في سَفَرِي، فَلا بَلاَغَ لِيَ اليَومَ إلاَّ بِاللهِ ثُمَّ بِكَ، أَسأَلُكَ بالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَركَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا في سَفري؟ فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أعمَى فَرَدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ فَوَاللهِ ما أجْهَدُكَ اليَومَ بِشَيءٍ أخَذْتَهُ للهِ - عز وجل -.
فَقَالَ: أمْسِكْ مالَكَ فِإنَّمَا ابْتُلِيتُمْ.
فَقَدْ رضي الله عنك، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيكَ)).
 
(قال النووي: متفق عليه - رياض الصالحين باب المراقبة).
 
وفي ضوء هذا الشرح يأتي إلى تفسير قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56] فهي متعلقة بالإرادة الدينية الشرعية، وقد يقع مراده وقد لا يقع، والمعنى: إن الغاية التي نحب لهم ونرضى لهم والتي أمروا بفعلها هي العبادة فهو العمل الذي خلق العباد له، أي: هو الذي يحصل كمالهم وصلاحهم الذي به يكونون مرضين محبوبيهما فمن لم تحصل منه هذه الغاية كان عادمًا لما يحب ويرضى، ويراد له الإرادة الدينية التي فيها سعادته ونجاته وعادمًا لكماله والعدم المستلزم فساده وعذابه...[4].



[1] الفتاوى ج 7 ص 650.


[2] الفتاوى ج 7 ص 652، 654.


[3] ابن تيمية: جواب أهل العلم والإيمان ص 199- 201 ط.
دار الكتب العلمية- بيروت 1394هـ- 1974م.


[4] مجموعة الرسائل الكبرى ج2 ص 78.

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢