أرشيف المقالات

إنذار لكل ظالم ... دعوة المظلوم لا تسقط بالتقادم

مدة قراءة المادة : 13 دقائق .
2إنذار لكل ظالم
دعوة المظلوم لا تسقط بالتقادم

حرم الله الظلم فقال ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾[الكهف: 49]..
وقال في الحديث القدسي "إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" رواه مسلم، وقال: "اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام يقول الله وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" تخريج السيوطي ولو بعد حين في الحديث القدسي أي لا تسقط بالتقادم، وفي القرآن ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ [إبراهيم: 42] أيضا عملهم لا ينساه الديان، وهناك ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ [غافر: 52].
 
الإنسان من طبيعته النسيان، لأنه لو تذكر ما ألم به من آلام وأحزان، و ما أحاطه من مكائد وشدائد لكره العيش، وسئم الحياة..
إنما رحمة الله به جعلته يتذكر القريب..!! فإذا ضربه الزمن بأيامه ولياليه فإن الأيام تنتهي، والساعات تنقضي، والجروح تندمل، والإحزان تنمحي، ويشغل الإنسان بحاضره لكن هل ما ينساه الإنسان ينساه الملك الديان؟!! كلا ثم كلا!! وإنما الأمم أفرادا وجماعات تفعل ما تفعل، وتترك ما تترك، لكنها يوما ما ستقف أمام ربها..!! وستواجه بما فعلت وستحاسب بما تركت ﴿ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجاثية: 28] !!
 
هذا سعيد بن جبير رحمه الله، عندما قال الحجاج: لجنده: اذهبوا به فاقتلوه! ضحك وهو يتأهب للخروج مع جند الحجاج، قائلا للحجاج: عجبت من جرأتك على الله ومن حلم الله عليك، فقال الحجاج: اقتلوه..
اقتلوه، فقال سعيد: إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، قال الحجاج: وجهوا وجهه إلى غير القبلة فرد سعيد: فأينما تولوا فثم وجه الله، قال الحجاج: كبوه على وجهه، وهنا رد سعيد: "منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى، فقال "الحجاج: اذبحوه!! فقال سعيد: أما أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله.
ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: "خذها مني يا عدو الله حتى نتلاقى يوم الحساب: اللهم اقصم أجله، ولا تسلطه على أحد يقتله من بعدي" وصعدت دعوة سعيد إلى السماء، فلقيت قبولا واستجابة من الله والواحد القهار.
فلقد أصيب الحجاج بعد قتله لسعيد بن جبير بمرض عضال أفقده عقله، وصار كالذي يتخبطه الشيطان من المس، وكان كلما أفاق من مرضه قال بذعر: مالي ولسعيد بن جبير وبعد فترة قصيرة من قتل سعيد بن جبير مات الحجاج الثقفي شر موته، وتحققت دعوة سعيد فيه، فلم يسلطه الله على أحد يقتله من بعده.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" رواه الترمذي.
 
وعن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيلٍ أنَّ أروى خاصمته في بعض داره، فقال: "دَعُوهَا وَإِياهَا؛ فَإِني سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقهِ، طُوِّقَهُ فِي سَبْعِ أَرضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
اللَّهُم إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأَعْمِ بَصَرَهَا، وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِي دَارِهَا".
قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر، تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد.
فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئرٍ في الدار، فوقعت فيها، فكانت قبرها.
 
وما يحدث في الأمة من موبقات إنما هي لعنات تمتد إلى أصحاب الأيدي الآثمة، والقلوب المظلمة، والعقول المتأسلمة..!! إنها موبقات مفجعة..!! أموال تغتصب، وإعراض تنتهك، وحريات تصادر، وإرادات تزور، وفتن تمرر...!!
 
الظالمون يحبون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، يخططون لذلك ويعاونهم إبليس ويناصرهم كل خائن خسيس..!! ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النور: 19] إنهم يعشقون الفتن سواء في نواديهم النكراء، أوعلى جرائدهم الصفراء، أو في لياليهم الحمراء كما يسمونها ويطلقون عليها..!! لذلك ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ [البروج: 10].
 
فليحذر الظالم أن الإنسان مراقب على مدار اللحظة..!! الطباعة الإلهية تنسخ ما يفعل، وتسجل ما يترك حتى يوم العرض الأكبر ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 18] لا جيوب ولا نتوءات..!! لا خزائن ولا حصالات..!! لا صناديق ولا أوراق..!! لا وساطات ولا وجاهات ولا شارات، هناك ينطق ما سجلت، ويخرج ما طبعت..!! ﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجاثية: 29] عملك ينسخ في آلة إلهية لا تضل ولا تنسي، ويحفظ في مكان مأمون لا يتلف أ ولا يسرق، ولا يصادر، لا يفرم ولا يتغير بتغير المناخ من أعاصير أو رياح كلا..!! وإنما..﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۞ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8]..
وهذا تحذير من الذي إليه ترجع الأمور كيف؟ ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 30]..!! كيف؟! ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾[الأنبياء: 47] ورغم ذلك يكذبون ويجادلون ويلهيهم الأمل..
 
فليحذر الذين يظلمون بمصادرة حريات البشر، وتزوير إرادات الشعوب، أصابوا اللعنات لارتكابهم الكبائر..!! عن أبي بكرة رضي الله عنه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور ألا وشهادة الزور وقول الزور وكان متكئا فجلس فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت" صحيح رواه البخاري ومسلم والترمذي.
 
لكن هناك يوم لا ظلم فيه ولا جور..!! ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [غافر: 17] نعم لا ظلم اليوم..!!، إنه العدل المطلق، انه يوم إعادة الحقوق لأصحابها، العملة فيه ليست بالدرهم أو الدينار، ليست بالجنيه أو الدولار، إنما بالحسنات والسيئات: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۞ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8].
 
في طريق الظلم لا يشعر الظالم بظلمه، بل يستمرئ الظلمويستعذب الجور مع انه مراقب على مدار اللحظة..!! منظور على طول الطريق..!! ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ۞ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ﴾ [إبراهيم: 42، 43] إنه معلوم لدى الذي بيده الأمر ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 95] أيها الظالم كيف لو مات المظلوم قبل أن ترد له حقه.






لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا
فالظلم ترجع عقباه إلى الندم


تنام عيناك والمظلوم منتبه
يدعو عليك وعين الله لم تنم






 
أين الذين ظلموا..
أين قارون؟!! أين فرعون؟! أين شارون؟! أين هامان؟! أين عاد؟!! أين ثمود؟!! ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۞ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ۞ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ۞ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ۞ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ۞ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ۞ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ۞ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ۞ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ [الفجر: 6، 14]..!! القوة العظمى تترصد لك..!! تراقبك!! تمهلك!! لكنها لا تهملك..!! فإذا أخذتك لن تفلتك..!! إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود: 102] قال الشيخ الألباني: صحيح.
 
شارون ظل ما يقارب السبع سنوات بين الحياة والموت ﴿ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ﴾ [إبراهيم: 17]، لم تمهله صحته ولم تنصره قوته ولم تسعفه بطانته "وما كان له فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين "(القصص) ﴿ ألاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [هود: 18].
 
وأحد الجنرالات المشهورين المغمورين كان يعذب مسجونيه في الحديد فقال أحدهم الله الله..!! فقال المجرم أين هو حتى أضعه في الحديد، فدعى عليه المسجون المظلوم اللهم أنت القوي أرنا فيه عجائب قدرتك...
 
فكانت نهايته أن قضى في حادثة عجيبة حيث صادم بسيارته جرار محمل بسياخ حديد فدخل في أحشائه حتى خرج من رقبته لم يخلصوه من الحديد إلا بعد قطع رقبته..!! وكما تدين تدان..!! وهناك عند القوي القاهر الغالب ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [الأنعام: 93]..!!
 
ومن ثم استغاثات...!! ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف: 29].
 
فليحذر الظالم قبل أن يعض علي يديه! ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ۞ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ۞ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴾ [الفرقان: 27 - 29].
 
دعوة المظلوم لا تسقط بالتقادم فليحذر كل ظالم، ومن باب..
انصر أخاك ظالما أو مظلوماً قيل كيف أنصره ظالما؟ قال: تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره)....
(صحيح الألباني) انظر حديث رقم: 1502 في صحيح الجامع.‌ قدمت هذه الإرشادات والتحذيرات....
 
اللهم جنبنا الظلم وحزبه وارزقنا العدل وأهله.....

شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير