أرشيف المقالات

إلى العلماء الصادقين عامة وفي بلاد الشام خاصة

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
2إلى العلماء الصادقين عامة وفي بلاد الشام خاصة
 
يا سادتي الكرام:
أودُّ أنْ أُذكِّرَكم - والذِّكرى تنفعُ المؤمنين - بأنَّ أمَّةَ الإسلامِ قد أثنَى الله عليها، وقرَّر أنها خيرُ أمَّةٍ أُخرِجتْ للناس، وذكَر من صِفاتها:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110].
 
وقال - جلَّ جلالُه -: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [التوبة: 71].
 
وكان الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ جُزءًا من البَيْعَةِ؛ كما في حديث عُبادةَ بن الصامتِ يقول: بايَعْنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على السمعِ والطاعةِ...
وعلى أنْ نقولَ الحقَّ أينما كُنَّا، لا نخافُ في اللهِ لومةَ لائمٍ[1].
 
وقد قامَ العلماءُ الصادقون بهذا الواجبِ في كلِّ العهودِ، ولم يكونوا يَخافون في اللهِِ لومةَ لائمٍ، وأودُّ أنْ أذكُرَ نماذجَ من هؤلاء العلماءِ الكرام فيما يأتي:
قال ابنُ كثيرٍ: لَمَّا دخَل عبدالله بن عليٍّ عمُّ السفَّاح دمشقَ، تطلَّبَ الأوزاعيَّ فتغيَّبَ عنه ثلاثةَ أيَّامٍ، ثم حضَر بين يدَيْهِ، قال الأوزاعيُّ: دخَلتُ عليه وهو على سريرٍ وفي يدِه خَيْزُرانة والمسودة عن يمينِه وشمالِه معهم السيوف مصلتة، فسلَّمتُ عليه فلم يردَّ، ونكتَ بتلك الخَيْزُرانة ثم قال: يا أوزاعيُّ، ما ترَى فيما صنَعْنا من إزالةِ أيدي أولئك الظَّلمَةِ عن العِبادِ والبلادِ: أجِهادًا ورباطًا هو؟
 
فقلت: أيُّها الأميرُ، عن عمرَ بن الخطاب يقولُ: سمعتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقولُ: ((إنما الأعمالُ بالنيَّاتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوَى، فمَن كانت هجرتُه إلى اللهِ ورسولِه فهجرتُه إلى اللهِ ورسولِه، ومَن كانت هجرتُه لدُنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينكحُها، فجرتُه إلى ما هاجَر إليه))، فنكتَ بالخَيْزُرانة أشدَّ ممَّا كان ينكتُ، وجعَلَ مَن حولَه يَقبِضون أيديَهم على قبضات سُيوفهم.
 
ثم قال: يا أوزاعيُّ، ما تقولُ في دماءِ بني أميَّة؟
فقلتُ: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ: النفسُ بالنفسِ، والثيِّبُ الزَّاني، والتاركُ لدِينِه المفارقُ للجماعة))، ثم نكتَ بها أشدَّ من ذلك.
 
ثم قال: ما تقولُ في أموالِهم؟
فقلت: إنْ كانتْ في أيديهم حَرامًا فهي حَرامٌ عليكَ أيضًا، وإنْ كانت لهم حَلالاً فلا تحلُّ لك إلا بطريقٍ شرعي، فنكَت أشدَّ ممَّا كان ينكتُ قبلَ ذلك.
 
ثم قال: ألا نُولِّيكَ القضاءَ؟
فقلت: إنَّ أسلافَك لم يكونوا يَشقُّون عليَّ في ذلك، وإنِّي أحبُّ أنْ يتمَّ ما ابتَدَؤُوني به من الإحسان.
 
فقال: كأنَّك تحبُّ الانصِرافَ؟
فقلتُ: إنَّ ورائي حُرَمًا[2]، وهنَّ محتاجاتٌ إلى القيام عليهنَّ وسترهنَّ، وقُلوبهنَّ مَشغولةٌ بسببي..
وانتظرتُ رأسي أنْ يسقطَ بين يدي، فأمرني بالانصِرافِ، فلمَّا خرجتُ إذَا رسولُه من وَرائي وإذا معَهُ مائتا دينارٍ، فقال: يقولُ لك الأمير: استَنفِقْ هذه، فقال: فأخَذتها خوفًا، فتصدَّقتُ بها.
 
ومن ذلك موقفُ الإمامِ المنذرِ بن سعيدٍ المتوفَّى 355 هـ؛ وذلك أنَّ أميرَ المؤمنين عَمِلَ في بعضِ سُطوح الزهراء قبَّةً بالذهبِ والفضةِ وجلسَ فيها، ودخَل الأعيانُ، فجاءَ المنذرُ بن سعيدٍ فقال له الخليفة كما قال لِمَنْ قبلَه: هل رأيتَ أو سمعتَ أنَّ أحدًا من الخلفاءِ قبلي فعَل مثلَ هذا؟
 
فأقبلَتْ دموعُ القاضي تنحدرُ ثم قال: والله ما ظننتُ يا أميرَ المؤمنين أنَّ الشيطانَ يبلغُ منكَ هذا المبلغ أنْ أنزَلَك منازلَ الكفارِ.
 
قال الخليفة: لِمَ؟!
فقال القاضي: قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 33-35].
 
فنكس أميرُ المؤمنين الناصرُ رأسَه طويلاً ثم قال: جَزاكَ الله عنَّا خيرًا وعن المسلمين، الذي قلتَ هو الحقُّ.
 
وأمَرَ بنقض سقفِ القبَّة[3].
 
ومن ذلك أنَّ سلمةَ بن دينارٍ أبا حازمٍ لقي سليمانَ بن عبدالملك في المدينةِ يومَ أنْ دخَلَها، فجرى بينهما حوارٌ طويلٌ، فكان من هذا الحوارِ أنَّ أمير المؤمنين سليمانَ سألَ فقال: يا أبا حازم، ما لنا نكرهُ الموتَ؟

فقال: لأنَّكم عمرتُم الدنيا وخربتُم الآخرةَ؛ فتكرَهون الخروجَ من العمرانِ إلى الخرابِ، قال: صدقتَ.
 
♦ قال سليمان: يا أبا حازم، ليتَ شعري ما لنا عندَ الله غدًا؟!
♦ قال: اعرِضْ عملَك على كتابِ الله - عزَّ وجلَّ.
 
قال سليمانُ: وأينَ أجدُه في كتابِ الله تعالى؟
قال أبو حازمٍ: قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ [الانفطار: 13، 14].
 
قال سليمانُ: يا أبا حازمٍ، كيف لنا أنْ نصلحَ؟
قال: تَدَعُونَ عنكم الصلفَ، وتمسكون بالمروءةِ، وتقسمون بالسويَّة، وتعدلون في القضيَّة.
 
قال: يا أبا حازم، ارفَعْ إليَّ حاجتَك.
قال: نعم؛ تُدخِلني الجنَّةَ، وتُنجيني من النارِ.
 
قال سليمان: ليس ذاك إليَّ.
قال أبو حازمٍ: فما لي حاجةٌ سِواها.
 
قال سليمان: يا أبا حازم، ما تقولُ فيما نحنُ فيه؟
قال: أوتعفِيني يا أميرَ المؤمنين؟ قال: بل نصيحةٌ تلقيها إليَّ.
 
قال أبو حازم: إنَّ آباءَك غصبُوا الناسَ هذا الأمرَ، فأخَذوه عنوةً بالسيفِ من غير مَشورةٍ ولا اجتماعٍ من الناسِ، وقد قتَلُوا فيه مقتلةً عظيمةً وارتحلوا، فلو شعرتَ ما قالوا وما قِيلَ لهم، فقال رجلٌ من جُلَسائه: بئسَ ما قلتَ، قال أبو حازم: كذبتَ؛ إنَّ اللهَ تعالى أخَذ على العلماءِ الميثاقَ ليُبَيننَّه للناسِ ولا يكتمونَه[4].
 
ومن ذلك أنَّ أبا جعفرٍ المنصور لما وَلِيَ الخلافةَ وحَجَّ، بلغَه عن ابنِ أبي ذِئبٍ ومالكٍ وابن سمعان ما كدر خاطرَهُ، فطلبهم بغتةً إلى سرادق الخلافةِ بالليلِ، فكان آخِر مَن حضَر مالك، فوجَد ابن أبي ذئبٍ وابنَ سمعان جالسَيْن، فأمرَهُ أبو جعفرٍ بالجلوس فجلس، فإذا في جنبي كلٍّ منهما شاهرُ سيفٍ يلمعُ، وحاملُ عمودٍ من حديدٍ، ثم التفتَ الخليفةُ إليهم وقال:
أمَّا بعدُ، معشرَ الفقهاءِ، فقد بلَغَ أمير المؤمنين عنكم ما ضاقَ به صدرُه، وكنتُم أحقَّ الناسِ بالكفِّ عن ألسنتِكم، وأولاهُم بلزومِ الطاعة والمناصحة في السِّرِّ والعلانية لِمَنِ استخلَفَه اللهُ عليكم.
 
فقال مالكٌ: يا أميرَ المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6].
 
فقال أبو جعفر: أيُّ الرجالِ أنا عندكم؟ أمن أئمَّةِ العدل أم من أئمَّة الجور؟
فقال مالك: أناشدُك أنْ تُعفِيَني من الكلامِ في هذا.
 
قال: قد أعفاكَ أميرُ المؤمنين، ثم التفَتَ إلى ابنِ سمعان فقال له: أيُّ الرجال أنا عندَك؟

فقال ابن سمعان: أنت خيرُ الرجال؛ تحجُّ بيتَ الله الحرام، وتجاهدُ العدوَّ، وتُؤمِّن السبيلَ، ويأمنُ الضعيفُ بك أنْ يأكُلَه القويُّ، وبك قوامُ الدِّين، فأنت خيرُ الرجالِ، وأعدلُ الأئمَّة.
 
ثم التفَتَ إلى الإمام ابنِ أبي ذئبٍ فسأله: أيُّ الرجالِ أنا عندك؟
قال: أنت والله عِندي شرُّ الرجال، استَأثرتَ بمالِ الله ورسولِه، وسهمِ ذوي القُربى واليَتامى والمساكين، وأهلكتَ الضعيفَ، وأتعَبتَ القويَّ، وأمسَكتَ أموالهم، فما حُجَّتُك غدًا بين يدي الله؟

فقال أبو جعفر: وَيْحك، ما تقول؟! أتعقلُ؟ انظُر ما أمامك.
فقال: نعم، رأيتُ أسيافًا، وإنما هو الموتُ ولا بُدَّ منه، عاجلُه خيرٌ من آجلِه.
 
ثم خرَجَا، قال مالك: وجلستُ.
 
فقال أبو جعفرٍ: إنِّي لأجدُ رائحةَ الحنوطِ عليك.
قلت: لمَّا جاءني رسولُك بالليل ظنَنتُه القتل، فاغتَسلتُ وتحنَّطت ولبستُ ثيابَ كفني.
 
فقال أبو جعفرٍ: سبحانَ الله! ما كنتُ لأثلم الإسلامَ وأسعى في نقضِه، أنا عائذٌ بالله ممَّا قلت، فانصَرِفْ إلى مصرِك راشدًا مهديًّا.
فانصرَفَ مالك.
 
وبعثَ الخليفة من وَرائِهم بصُرَرٍ فيها دنانيرُ جمَّةٌ مع شرطيٍّ أَوْصاه بقطْع رأسِ ابن أبي ذئبٍ إنْ قبلها.
 
وبقطع رأس ابن سمعان إنْ لم يقبَلْها.
 
وترْك مالك حرًّا في الأخْذ والرَّفض.
 
فأخَذ ابن سمعان فسَلِمَ، ورفَض ابن أبي ذئبٍ فسَلِمَ، وأخَذَها مالكٌ لحاجَتِه[5].
 
قلت: ابن سمعان ترجَمَ له الذهبيُّ في "الميزان" 2/423، وهو ضعيفٌ يكذبُ، واسمُه عبدالله بن زيادٍ المخزومي.
 
وابن أبي ذئبٍ هو محمد بن عبدالرحمن، ترجم له ابن حجرٍ في "تهذيب التهذيب" 9/303، تُوفِّي سنة 158 أو 159.
 
والحمدُ لله ربِّ العالمين.



[1] رواه البخاري 7199، ومسلم 1709.


[2] الحُرَمُ: جمع حرمة؛ وهي المرأةُ على وزن غُرفة وغُرَف.


[3] "سير أعلام النبلاء" (16 /177).


[4] "سنن الدارمي" 1 /155، و"حلية الأولياء" 3 /234.


[5] "مقالات الكوثري" ص528.

شارك الخبر

المرئيات-١