أرشيف المقالات

عودة محاكم التفتيش!

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
1
هل تشهد عصورنا الزاهرة الزاخرة بالأحداث عودة عصرية لمحاكم التفتيش؟؟ هل تخشى الكنيسة المصرية قيام الحكومة بتفتيش الأديرة والبيوت المتعلقة بالكنيسة خشية أن نجد سراديب وقاعات تعذيب مثل تلك التي وجدها جيوش الإمبراطور في دواوين التفتيش الخاصة برهبان الجزويت؟ (الجزويت فرقة من الرهبان كان لهم أكبر الأثر في القضاء على المسلمين في الأندلس من خلال محاكم التفتيش وقاعات التعذيب.
انظر الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة ورغم ذلك هناك مدرسة في مصر تحمل نفس الاسم (الجزويت) ويتخرج منها الشباب المسلم سنويًا!! فهل هذا من سماحة الإسلام ونسيان الإساءة أم هو من ضعف المعلومات التاريخية ؟!)


هذه الأسئلة كنت طرحتها على نفسي أثناء متابعة قضية السيدة كامليا، فمنذ أن كنا صغارًا ندرس في مدارس الراهبات بمصر، كنا نسمع شائعات كثيرة بأن الكنيسة مسلحة، وبأن الكنيسة تعذب مخالفيها، وطبقًا لقواعد أهل الحديث في قبول الأخبار -ونحن أمة الإسناد- فالأسانيد منقطعة وفيها الكثير من المجاهيل ولكن هل تعددها وتنوع مخارجها قد -أقول قد- تدلّ على أن هناك أصلًا لهذه الشائعات؟؟

هذه كانت تساؤلاتي وقتها ولكن بعد أحداث ماسبيرو المشتعلة، والتي ليست الأولى من نوعها، أضطر لطرح تساؤل آخر هل ستعود الحملات الصليبية على الشرق الأوسط؟

في البداية يرفع متطرفوا أقباط المهجر طلب الحماية الدولية وهم يزعمون أن هذا مطلب مليونين من نصارى مصر، ويتطاول الأمر لتوجيه مناشدة بالحماية من ..نتنياهو!

ثم يصدر المحامي نجيب جبرائيل تقريرًا يدعي فيه أن المسيحيين يهربون من مصر بسبب تشدد السلفيين، دون أي دليل مقبول أو حتى غير مقبول.
ويخرج علينا القس فلوباتير في الفضائيات صارخًا أن العدو الحقيقي للمصريين هو...السلفيون! وفجأة صار مقبولًا للقس أن يتحدث في الفضائيات ويسب السلفيين في حين تقوم الدنيا ولما تقعد عندما قال الشيخ ياسر البرهامي أن النصارى كفار بنص القرآن.

والإعلام منذ أن قامت الثورة وقبلها يساندهم بطريقة غير منطقية، فكل وقعة بسيطة من مسلم تنسب للتيار الإسلامي باعتبارها إرهاب، وكل كارثة من نصارى مصر يغضوا الطرف عنها كأنهم لا يرون ولا يسمعون!

والسؤال الآن، السلفيون خرجوا في مظاهرات مليونية، ووقفات سلمية عديدة، ومظاهرات أمام الكاتدرائية، وكذلك في أحداث إمبابة، لم يحدث أي شغب في مظاهرات السلفيين، باستثناء أحداث إمبابة، التي أكد الشهود أن البداية كانت من جانب الكنيسة.
والمسيحيون خرجوا في مسيرات ومظاهرات في العهد البائد أباده الله، وبعد الثورة...
وفي كل خروج لهم نجد قتال وقتل وتعدٍ سافر على المارة وترويع الآمنين، بل بلغ بهم الأمر أن يطلقوا الكلاب البوليسية -التي لا ندري إلى الآن من أين حصلت عليها الكنيسة- على ...أهل ملتهم!! فمن هو الإرهابي؟

ويبدو أننا لتفسير الحاضر سنضطر أن نستعرض سريعًا بعض الحقائق التاريخية:

هل سمعتم بمحاكم التفتيش؟
إن محاكم التفتيش أقيمت في أوروبا عامة كحرب ضد كل من تسول له نفسه بمخالفة قواعد(ومن هذه القواعد ما هو متعلق بالدين وما هو متعلق بالحياة العامة للشعب، وقامت باختيارنظريات علمية معينة اعتبرتها من صلب الدين.
انظر العلمانية نشأتها وتطورها – سفر الحوالي وانظر كذلك مذاهب فكرية معاصرة)
الكنيسة الصارمة ولو كانت هذه المخالفات مجرد اكتشاف علمي أومجرد محاولة للتفكير، والتي أقيمت كذلك في إسبانيا خاصة للقضاء على أي أثر للإسلام فيها حتى اضطر كثير من المسلمين لإعلان تنصرهم ظاهريًا دون قناعة خوفًا من التنكيل والتعذيب .

ولكن هذا لم يكن كافيا للكنيسة، بل كان تحدث أي فرد باللغة العربية أو وجود حمامات داخل بيوتهم (لأن هذا كان من خصائص المسلمين أما غيرهم فلم يعرفوا إلا الحمامات العامة لتنظيف بيوتهم وأجسادهم) أو سماع همهمات بالليل (لأن هذا يعني أن أصحاب البيت يقرأون القرآن! فحسبنا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله) أو اغتسال أحدهم يوم الجمعة يعتبر قرينة (أما الإسلام فيعامل الناس بالظواهر وليس بالقرائن ويقبل ظاهرهم ويكل باطنهم إلى الله، ولو أبطنوا الكفر كما كان حال المنافقين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم) تكفي لتحويلهم لمحاكم التفتيش المرعبة (انظر مذاهب فكرية معاصرة – محمد قطب ، التعصب بين المسيحية والإسلام – محمد الغزالي ، العلمانية نشأتها وتطورها – سفر الحوالي ، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، أو انظر أي كتاب تاريخ أجنبي يتحدث عن تلك الفترة السوداء في حياة أوروبا!!)

وليت محاكم التفتيش أقامت عليهم حد الردة -وهم لم يرتدوا من الأساس- وأحسنت في القتل، بل كان الأمر إكراه جماعي للدخول في النصرانية وليس عقوبة على تركها!! وكانت تستخدم وسائل تعذيب شيطانية تنم عن قسوة عجيبة وروح شريرة غريبة تسكن هؤلاء القساوسة الذين قاموا بتلك الفظائع الشنيعة التي أنأى بقلمي عن وصفها لبشاعتها وقلة البضاعة اللغوية في إيجاد وصف دقيق لفاعليها! وصدق الله إذ يقول: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد:٢٧].

جدير بالذكر أن محاكم التفتيش تلك لم تكن ردًا على اضطهاد ملوك الأندلس المسلمين للنصارى، فكل من له عينان يشهد أن الأندلس كانت مركزًا لنشر نور الإسلام والعلوم والآداب المختلفة وأن أهلها تمتعوا بحريات فائقة في شتى المجالات، أدت إلى نهضة وإبداع لم تعرفه أوروبا في عصور التعصب الديني المقيت، حتى صارت الأندلس آنذاك منارة تضيء بحر الظلمات الأوروبي منذ أن بدأت إلى أن سقطت ونهب تراثها، ولا يمكن إلا لجاحد كاذب معاند أن يتهم المسلمين الأندلسيين أنهم اضطهدوا أي معاهد أو ذمي بأي نوع من أنواع الاضطهادات! فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! فصدق الله إذ يقول: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ} [الممتحنة:٢].

وهذا جردانو برونو الذي أحيا نظرية كوبرنيكس (السبب في أن الكنيسة لم تنكل بكوبرنيكس نفسه هو أنه مات بعد طبع كتابه بقليل ففوت عليهم ممارسة القتل والتعذيب!) سجنته الكنيسة فلما أصر على رأيه قتلته حرقًا، هكذا بلا جدال علمي ولا إقامة حجة ولا نقاش رغم أن المسألة لا تعارض نصًا صريحًا صحيحة في الكتاب المقدس! بل هي نظريات تبنتها الكنيسة وأدخلتها في الدين! جاليلو حبسته الكنيسة لأنه اخترع التليسكوب! حتى ركع ذليلًا أمام قاضي محكمة التفتيش وأعلن توبته عن القول الإلحادي بدوران الأرض!! هكذا لأنه اخترع التليسكوب أذلوا ناصيته واعتبروه ملحدًا.

أين هذا من سماحة الإسلام حيث ترك النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين يرتعون في المدينة قد عصموا دمائهم بكلمة التوحيد على نفاق في بواطنهم؟ (أين هذا من اقتراح بعض القساوسة الرحماء قتل كل من تنصر في الأندلس لأنه لا يمكن معرفة الصادق من الكاذب؟! انظر المراجع السابقة) أين هذا من إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم قميصه لعبد الله بن أبي يكفن فيه أباه الذي هو رأس المنافقين الذي تولى كبر حادثة الإفك؟

لقد كان دخول الإسلام أي بلد نعمة لأهلها سواء اختاروا الإسلام دينًا فكانوا على قدم المساواة بأي مسلم عربي كان أو أعجمي أسود كان أو أصفر أو أحمر، وسواءً اختاروا البقاء على دينهم فيكفل لهم الإسلام حق العبادة ويحفظ لهم ما يملكون وضرب عليهم الجزية فعاشوا في أمن وسلام من آذاهم أو ظلمهم غرم.

ولنا أن نتسائل بملئ أفواهنا : أين مثل هذا العدل والإصلاح الإسلامي من فساد الحملات الصليبية ومن اضطهاد المسلمين في أي دولة تحت حكم النصارى أو العلمانيين؟ بل أين هذا من عدم مساواة جنس الأوروبيين بالهنود والأفارقة المتنصرين تحت حكم إمبراطورية الشمس البريطانية وأين هذا من العنصرية التي مارستها ضدهم؟ بل أين هذا من العنصرية التي مارستها أمريكا دولة الحريات ضد الزنوج طويلا لمجرد اختلاف لون الجلد؟ عجبًا لكم!!

لا من فضلك، لا تتفوه بهذا! لا تقل أن هذه الأفعال القبيحة منهم ليست دليلًا لأنه مجرد أفعال فردية ولأنه لا ينم على الأكثرية! لأن محاكم التفتيش التي دامت بأمر البابا ما يقرب من قرنين أو أكثر وتورط القساوسة في الإقطاع والحكم المطلق في أوروبا طوال هذه القرون والحملات الصليبية والعنصرية التي مورست طويلًا في مختلف بقاع الأرض بمباركة القساوسة وتورطتهم في كثير من الأعمال الشنيعة ضد أتباع أي ديانة أخرى بل وأي مذهب أخر، وحتى ما يحدث اليوم في دول العالم التي رفعت العلمانية شعارًا لها، من اضطهاد للمسلمين وغير ذلك من الأفعال لا يمكن أن يعبر إلا عن أسلوب حياة، وليس عن مجرد أفعال فردية، إن هذا لا يقوله إلا أعمى أو أصم أو ساذج أو شخص يعيش بعيدًا عن أرض الواقع في بادية قفر!

وما فعله النصارى مع اليهود عندما أظهرهم الله عليهم بعد اعتناق ملك روما للنصرانية، ينم عن أنهم إذا علوا طغوا وإذا مكنوا خلعوا قناع الحلم والمحبة مما يجعل من حقنا أن نخشى أنهم إذا تمكنوا من الاستعلاء على المسلمين بأي صورة من صورها فسيقتلون المسلمين بأبشع الوسائل بكل ما يعتمل في نفوسهم من الكراهية التي ظهرت بوادرها هذه الأيام والتاريخ الماضي والحاضر يشهد لهذا الكلام بأنه حق.
وها هي الأحداث تشهد لهذا.
فلا تلوموني إذا استنتجت هذا فمن حقي أن أخشى على نفسي وأهل ملتي وبلادي من هؤلاء المتطرفين الذين يريدون أن يخربوا البلاد وأعلنوا ذلك في أكثر من مناسبة!

ولهذا أكرر سؤالي: هل عادت الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش الأوروبية واتخذت لها مقرًا في مصر؟ اليوم يرفع السلاح في وجه الجيش ويهدد بعض القساوسة ومحاموا الكنيسة بالقتل وخراب مصر ونخشى أنها تمارس الاختطاف والحبس فبالأمس وفاء قسطنطين وكامليا وغيرها وغدًا من؟ فهل سنكتشف غدًا أنها أيضا تمارس ما كانت تمارسه شقيقتها الأوروبية وخاصة الإسبانية؟ ولماذا يطالبون بالحق في بناء الكنائس في أي وقت شاءوا ولا يريدون أن تكون دور العبادة الخاصة بهم تحت إشراف ورقابة مثل المساجد؟ هل المساواة أن يكون الكيل بمكيالين؟

أرجو أن نحصل على الرد من أقباط المهجر قريبًا!
 


شارك الخبر

المرئيات-١