أرشيف المقالات

القصص

8 ماريوتو للكاتب الإيطالي ماسوشبو سالر نيتانو أحبها ماريوتو ماجنانللي من أعماق قلبه، وجعلها أغنية روحه، ومزج غرامها بدمه، وجعل اسمها الحبيب إنجيله المقدس الذي يردده ويهتف به في يقظته وفي منامه.
ثم راح ينشدها في أنفاس الصباح ونسمات الأصيل، ويتخيلها في لآلاء النجوم وصفحة البدر.
.
وكلما لقيها فوق سيف البحر أرسل عليها حبه وآلامه تتوسل له تحت قدميها الجميلتين وتطلب له الشفاعة حتى عرفت أنه يحبها. وآنست فيه الفتاة طهارة ونقاء وصدقا فرقت له ومالت إليه وجزته على دموعه وحرقه بابتسامة بريئة ماد لها قلبه، وازلزل من شدة أسرها كيانه، وفتحت له أبواب السماء يطلع منها على عالم من الحب السرمدي، لأنه من صنع اللطيف البارئ.
.
سبحانه وباركت قلبيهما يد الله، وأخذا يلتقيان خفية ليتعاهدا على الحب وليروياه بدموعهما، وليقطفا من ثمره إذا أينع.
.
قبلة أو قبلتين.
.
ثم ليأخذا في حديث ألذ من قطع الروض، وأبهى من وشيه يرف على شفاههما رفيف النسيم، ويتدهدى من أعينهما الظامئة كأنه رقى السحر. وكان ماريوتو من أسرة متوسطة من أهل سينا وكانت الفتاة من أسرة ساراسيني التي هي في الذؤابة من أهل المدينة فكان هذا التفاوت بين الأسرتين سبب عذابهما ونبع مأساتهما والهوة السحيقة التي تحول بين أطماعهما في الصلة المقدسة التي تقرب ما بين الجسمين كما قرب الحب بين الروحين. ولا ريب أن القبلة هي أشهى ثمار الحب وأطيب جناه، لكنها كما يقول الشعراء تلهبه ولا تطفئه.
.
ومن الشعراء من يدعوها رسول الأبالسة، لأنها أول الغيث.
. من أجل ذلك لم يستطع الحبيبان على هذا الهوى العذري اصطبارا، ومن أجل ذلك صمما أن يكونا زوجين برغم ما بين الأسرتين. وكان لهما صديق راهب أوغسطي، ما كادا يشكوان له حالهما حتى انبجست الرحمة في قلبه والدموع في عينيه، وانطلق بهما إلى الكنيسة فعقد لهما واستعان على إنجاز ذلك بالكتمان، وهكذا ظل ما بينهما سرهما وسر الراهب.
وهكذا تم لهما ما أبته التقاليد والطبقات.
فقطفا من ثمار الجنة على غفلة من الأفعى حتى استيقظت، فذهبت تسعى بينهما وبين الناس لتخرجهما من فردوسها الجميل. ذلك أنه كان بين ماريوتو وبين أحد النبلاء من سادة سينا عداوة، فاستطاع الشيطان المغيظ أن يؤجج جذوتها بالوقيعة بين الخصمين.
.
ولم يلبث الجدال أن صار نضالا.
.
ثم تماسكا.
.
ثم وكزه ماريوتو فقضى عليه. وكان عليه بعد هذا أن يفر من الدولة أو يدفع رأسه ثمنا لجريمته، فلبث حيناً مستخفيا عن أعين الناس، فلما ضاعت جهود رجال الشرطة سدى في البحث عنه صدر الحكم عليه بالنفي المؤبد. وقد تكلمت الدموع ساعة الوداع، وضم الحبيب حبيبته يتنفس في صدره، ويتزود لفراق طويل لا تنتهي مرارته، وليس معروفا مداه! يا لقسوة المقادير توقظ المحبين من سبات عميق كله أحلام! لقد راح كل منهما يرنو في عيني صاحبه المغروقتين بالدموع، وكلما هما بالفراق انجذب بعضهما إلى بعض في لوعة وفي شجن فترف الشفاه المعذبة على الخدود المحترقة، هائمة حائرة تلتمس العزاء ولا عزاء، وتنشد السلوان ولا سلوان. ولقد كان صدر أحدهما يكلم صدر صاحبه بدقات القلب وخطرات النفس ووجيب الروح، حتى سكتت القبل، لأنها لا تغني في ذلك الحال شيئاً، وصمتت الأعين.

لأن الفراق الذي لم يكن منه بد قد حم. وطمأنها ماريوتو، فذكر لها أنه نازح إلى الإسكندرية ليقيم عند عمه المثري الغني، وأنه سيكتب إليها من هناك ليتصل القلبان على ذلك البعد، ثم أكد لها أنه لا بد عائد إلى إيطاليا الجميلة وواصل وإياها حبه، ولو كلفه ذلك حياته. وفي غمرة من الحزن، وثورة من الأسى والفجيعة، افترق الحبيبان، وفي نفسيهما مرارة، وفي حشاهما هم ووجد وألم. وانطلق ماريوتو إلى شقيق له فكشف له عن سره، وبثه شكواه، وتوسل إليه أن ينشر ظل حمايته على زوجته، وأن يكتب له عن أحوالها، وأن يكون حارسها بالنيابة عنه.

حتى يعود. وركب البحر إلى الإسكندرية، فتلقاه عمه بالبشر والبشاشة ووجد فيه مؤنسا له في دار الغربة.
.
ولما باح له ماريوتو بسره، لم يشأ الرجل النبيل أن يثرب عليه أو أن يعزله، بل أذهب عنه الحزن بكلمات طيبات، وغلا فمناه بصلاح الحال وتلافي ما وقع بينه وبين أسرة القتيل من خصومة وعداء.
.
ولم يكن ذلك من الجد في شيء، لكنه كان مبالغة في إكرام مثوى الفتى، الذي استطاع أن يخلب لب عمه بأسلوبه الغرامي الحزين الحنون. وعهد إليه عمه ببعض مهامه التجارية لتشغله قليلا عن أحزانه، ثم أشركه معه في منزله الجميل على شاطئ البحر الأبيض فكان ماريوتو كلما فرغ من عمل النهار، خلا إلى نفسه في الليل ففتح النافذة المطلة على البحر العتيد، وراح يتنسم أنفاسه، ويستروح صباه، ويقرأ من حبيبته أو يكتب إليها، ويغسل ذلك كله بدموعه الحرار الطاهرات، فكانت هذه اللحظات على ما فيها من ألم وما بطنت به من عذاب وهم، أسعد لحظات حياته، لأنها شعر الماضي وأحلامه، تطفو على سطح الحاضر وتعلل بالآمال ظلام المستقبل. وتحالفت الهموم على جيانوزا فزادتها جمالا، وهام بها شباب المدينة هياماً جعلهم يترامون على قدميها في كل طريق كما يترامى الفراش في اللهب.
وذهب كثير منهم إلى أبيها يخطبونها على أنفسهم، ويمهرونها بكل ما يملكون، وكان الوالد كلما كلمها في أحدهم تعللت وانتحلت المعاذير، فكان الأب الحائر يترفق بها ويتلطف، ثم ينزل عند مشيئتها بغير ما حجة ولا برهان مبين، ثم يصرف شباب المدينة في حدب وفي استحياء. وهكذا ظل السر الرهيب دفيناً في صدر الفتاة يعذبها ولكنه مع ذلك كان مصدر سعادتها الباكية، ولذتها الحزينة، والنبع ذا الخرير الذي تختلط فيه آلام الماضي وآلام الحاضر لتثمر مخاوف المستقبل. وضاقت بها أفانين المعاذير فلم تعد تدري ماذا تلفق منها وماذا تدع، فلما أحست أن الشكوك أخذت تساور أباها من جراء هذا التمنع، وأنه يلح في معرفة سرها، قلق قلبها الخفاق، وسدرت نفسها المستهامة.
.
ثم ذكرت الراهب الصغير الذي في وسعه أن يصنع كل شيء.
.
فانسرقت إليه وذكرت له ما كان من فرار ماريوتو إلى الإسكندرية وما كان من إلحاح أبيها عليها بالزواج، وما حرصت عليه من كتمان زواجها على أبويها، وكرهها أن تبوح به خشية ما يجر إليه من عواقب.
.
ثم سكبت عبراتها بين يدي القس ونثرتها على قدميه، وتوسلت إليه أن يخلصها مما هي فيه بجرعة من السم المقدس تريحها من هموم الحياة، وتحول بين الفضيحة وبين سرها وحبها. وقد تردد الراهب أول الأمر، لكنه سرعان أن رق للفتاة، ولان قلبه للحبيب النازح، فتناول كأسا روية من الخمر وجرع ما فيها.
.
وكأنما شرب منها شجاعة، وعب حماسة وإقداما.
.
فتهلل وجهه، وربت على كتف جيانوزا، ثم وعدها عدة جميلة، وأمرها أن تنطلق إلى ذويها فتسلس لهم فتلقاها القياد وترضى بمن يختاره أبوها بعلاً لها.
. وسجدت الفتاة وشكرت له، وانطلقت إلى دارها فتلقاها أبوها بمثل ما كان يتلقاها به كل يوم وكل ساعة، وما كاد يكرر عرضه عليها حتى قبلته، فطفر قلبه من الفرح، وطبع على رأسها قبلة العطف والحنان. وذهبت في الموعد الذي حدده لها القس، فأعطاها زجاجة صغيرة تحوي الجرعة السحرية الهائلة، ثم ذكر لها أنه لم يصنع لها السم الذي رغبت فيه، بل صنع منوماً يدع شاربه في حالة تشبه الموت لمدة ثلاثة أيام.
.
(فإذا حسوت هذه الجرعة وتغشاك النعاس، وظن أهلوك أنك ميتة، حملوك إلى قبونا لتدفني فيه، وسأزورك في اليوم الثالث وأتولى إيقاظك بنفسي، وبهذا يكون ما بينك وبينهم قد انقطع، فتستطيعين السفر إلى الإسكندرية حيث تلقين زوجك، وحين تكلأكما عين السعادة.
.) واغرورقت عينا جيانوزا بدموع علوية، ثم قبلت يد القس وانطلقت إلى بيتها تحلم أحلاماً رائعة جميلة. وجلست تكتب كل ذلك إلى حبيبها ماريوتو.
فلما فرغت أهوت على الخطاب تلثم اسمه الحبيب في كل سطر، وخرجت لتدفع بالخطاب إلى من يوصله إلى السفينة الشرقية، فلما عادت، فتحت النافذة، وصلت صلاة قصيرة، وتمتمت باسم ماريوتو، ثم شربت الجرعة الثمينة، وانطرحت في سريرها وأغمضت عينيها. ودخل الخدم في الصباح بالورد والبنفسج، ورياحين الربيع لمولاتهن، فلشد ما ذعرت قلوبهم وجفلت نفوسهن لأن سيدتهن لم تستيقظ. وأهرع أبوها وبعض ضيفه فوقفوا فوقها مسبوهين مأخوذين، ثم استدعوا أطباء سينا فما نفع طبهم ولا أفلحت حيلهم، بل ذهبت جميعاً أدراج الرياح. وقر رأيهم على أن يتركوها حتى اليوم التالي، (فقد تكون نائمة بتأثير شلل في المعدة لا يزول إلا في هذا الميعاد!) لكن الميعاد فات ولم تستيقظ جيانوزا، فلم يعد بد من دفنها، لأنها ميتة ما في ذلك شك. وخرجت جميع عذارى سينا يتهادين وراء الأران، ويحملن أفنان الزهر إلى مقابر سانت أوجستين.
.
ثم عاد الجميع وكل قلوبهم حرق، وملء نفوسهم أشجان وأحزان. وخشي الراهب أن تستيقظ جيانوزا في ظلام الليل البهيم فتذعر، ولا يكون لموتها من هذا السبب من بد، فمضى إلى القبو هو ورفيق له، ونقلا التابوت الحي إلى غرفته الخاصة. وحانت الساعة الموعودة، واستيقظت جيانوزا من سباتها العميق بين أيدي الراهب المفزوع، وأخذت في الاستعداد للرحلة، الرحلة المنشودة إلى فردوسها المفقود.
.
إلى ماريوتو.
.
إلى الزوج العزيز الذي اقتحمت في سبيله أصرم العقبات. وقد دبر لها القس ثياب راهبة.
وبعد أن دعا لها بخير، انطلقت إلى ميناء بيزا، حيث ركبت في سفينة متجهة إلى الإسكندرية مع كثير غيرها. وقد لعب البحر بهذه الحفنة من السفن شهورا طويلة، وكأنما كان ذلك لتمام المأساة.
وذاك أنه لما علم جارجانو - شقيق ماريوتو - بما كان من وفاة الفتاة، فإنه أرسل إلى أخيه كتابا طويلا ينعيها إليه، ويطلب له الصبر والسلوان.
وقد وصل الخطاب قبل أن تصل جيانوزا، وقبل أن يصل خطابها الذي سطرته إليه قبيل تحسيها الجرعة.
.
فواهاً للمحبين إذا عثر بهم الحظ.
.
وإذا لج بهم العثار.
. مسكين ماريوتو! لقد فض خطاب أخيه بيدين مرتجفتين ومتمناه أن يتلو فيه خبراً يسره.
.
فماذا قرأ؟ (جيانوزا.
.
لقد ماتت جيانوزا يا أخي.
.
فتجلد، وهذه غاية كل حي (لقد كنت أؤثر ألا أبعث إليك بهذا النبأ، لكني اضطررت أن أفجأك بالحق ليهدأ قلبك، وتستريح نفسك) ولم تنحدر عبرة واحدة من عيني ماريوتو، وأنى له أن يبكي، وليس أعصى من الدمع في هذه المآسي التي تزلزل النفس ولا تنبجس لها العين. وشاع في نفسه الحزن الصامت الذي ليس أنكى منه مرارة ولا أحر وجدا. وعبثا حاول عمه أن يواسيه.
.
وصمم الزوج الحزين أن يبحر من فوره إلى إيطاليا، ليقف على ثرى حبيبته، وليسقيه بدموعه ولينشق هذا الهواء المريض الذي نشقته قبيل موتها من أجله، وفنائها بسبيله.
.
ولأنه لا يليق به أن يخشى شيئا في سينا بعد أن قضت حبيبته، وتحملت الأذى والهوان من أجله. وأرست السفينة في نابلي، وانطلق ماريوتو في ثياب حاج إلى سينا، واشترى آلات رأى أنها لا بد منها لينقب بها حائط القبو، حتى يتيسر له الدخول إلى حيث تقر رفات معبودته، فيجزيها حزنا بحزن ووفاء بوفاء، ثم لينام جنبها إلى الأبد، لأنه لا يطيق البقاء بعدها. واختبأ في الكنيسة إلى أن جنه الليل، حتى إذا نام الجميع وأمن أن يعثر به أحد، أخذ في نقب جدار القبو، وقبل أن يفرغ من هذا شعر به حارس المقابر، فنفخ في صوره، وظل ينفخ فيه حتى استيقظ الرهبان، واجتمعوا عليه، لكنه كان قد فرغ من عمله، وانفتل داخل القبو، وفي ظل شمعتين صفراوين شاحبتين، وقف على رمس ظنه رمس حبيبته. وكانت التقارير السرية قد انتشرت في أيدي الجواسيس تعلن وصوله , فلما قبض عليه وسيق إلى قضاته؛ باح لهم باعتراف جامع ناجع وساعدته دموعه التي كان ينضح بها كلماته، فهاج شجون النظارة وفجر في قلوبهم شآبيب الحنان، حتى إن كثيراً من النساء وبعض أصدقائه، عرضوا على المحكمة أن تسمح لهم بمشاركته في جريرته، أو إلقائها كلها على كواهلهم، إذا كان ذلك شافعا لإطلاق سراحه، ولكن هيهات! لقد زمجر كبير القضاة، وتهدد الحضور إن تدخلوا في إجراءات العدالة، أو اعترضوا سبيلها، فصمتوا.
وانتهت المحاكمة، وصدر حكم الظالمين القساة بالإعدام. ووصلت جيانوزا بعد لأي إلى الإسكندرية، وانطلقت من فورها إلى بيت العم العزيز الذي تلقاها كابنته، وأعز الناس عليه. ولم يشأ أول الأمر أن يفاجئها بسفر ماريوتو، بل تركها تسرد عليه قصة موتها المدعى، حتى إذا فرغت منها تبسم الرجل الخير، ثم ذكر لها أن ماريوتو قد تسلم رسالة من شقيقه ينعيها له فيها وأنه منذ ذلك اليوم لم يعد إلى البيت، وأن أكبر ظنه أنه رحل إلى الوطن. يا آخر الأنباء السود ما أشأمك! أبعد طول النضال في البر والبحر، وبدلا من أن تضم إلى صدرها المعذب حبيبها المشوق تحضر إلى الإسكندرية فيبدهها هذا النبأ. وأخذ الشيخ يواسي جيانوزا، ثم عرض عليها أن يرحل معها إلى نابولي ثم إلى سينا ليلقيا ماريوتو حيا أو ميتا، فاستخرطت جيانوزا في البكاء وشكرت للعم ما غمرها به من عطف ولطف. وتنكرت جيانوزا من جديد في مسوح الرهبان ويممت شطر الشاطئ التوسكاني، حيث أرست عند بيومبينو، وحلت الفتاة ضيفة عزيزة على السر نيقولا، نيقولا الغني صاحب فيلا نيقولا.
.
عم ماريوتو، التاجر الإسكندري، وهي فيلا جميلة قريبة من سينا. وكانت نهاية الفجيعة أن ماريوتو المسكين قد نفذ فيه حكم الإعدام قبل وصول زوجته وعمه بثلاثة أيام. أوه لقد سكب العم الطيب مواساته في دموعه بين يدي جيانوزا، فماذا صنعت هي. وقبلت أن تقضي البقية الباقية من حياتها في كسر دير! ولم تستطع أخواتها الراهبات أن يواسينها فذبلت جيانوزا. ولم تزل تذبل وتذوي كل يوم، ولم تفتأ تصهر قلبها ودموعها بالبكاء على ماريوتو حتى لفظت نفسها الأخير! د0س

شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير