أرشيف المقالات

الإسلام في أوربا الشرقية في أمسية الغزو

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
8 2 - الإسلام في أوربا الشرقية في أمسية الغزو المنغولي للأستاذ المؤرخ أرسلان يوهدانووكز بقلم الأستاذ علي محمد سرطاوي ويثني بار تولد ثناء عاطرا على الدور المهم الذي قامت به الصوفية الإسلامية إن الصوفيين الذين ذهبوا لنشر مبادئ الدين الإسلامي بين الأتراك في سهول الاستبس، قد لاقوا من النجاح أكثر مما لاقاه أولئك الذين ذهبوا للمكان نفسه يبشرون بالأرثوذكسية المسيحية.
ومع أن دعاة من الديانات الأخرى، كالبوذية والمانكية، والمسيحية، قد جربوا القيام بدعايات واسعة قبل مجيء المسلمين، إلا لن الدعاية الإسلامية قد لاقت نجاحا واسعا، وخاصة بين الشعوب التي كانت قد عرفت الشي الكثير عن الديانات الأخرى). ويضيف المستشرق العظيم إلى ما سبق في موضوع آخر من كتابه قوله: (وبسبب سيطرة الثقافة الإسلامية على تاريخ هذه الفترة، فإن كل اتصال بين تعاليم الإسلام، وتعاليم الديانات الأخرى: لم تنشأ عنه غير نتيجة واحدة، هي امتداد ظل الإسلام والتمكين لنفسه في آفاق جديدة.
حتى في الزمن الذي تسلط فيه القراقتيون - أولئك المتعصبون الذين كانت الثقافة الصينية عميقة الجذور وبعيدة الغور في نفوسهم، والذين حاربوا الإسلام ولم يعتنقوه، أخذت المناعة التي لديهم ضد الذين تضعف كلما امتد ظلهم على المسلمين، وراح الإسلام يمكن لنفسه في سلطانهم ونفوسهم؛ وهو وإن لم يكن انتشاره على نطاق واسع، كما كان في الفترة المنغولية، إلا أن مجرد الانتشار بين أولئك المتعصبين، يعتبر من معجزات هذا الدين). رأي بار تولد حول إسلام الكبشاك: يبدو لنا أن النتيجة المنطقية لآراء بار تولد عن قوة الأغراء العجيبة الكامنة في مبادئ الدين الإسلامي، والتي لعبت دوراً هاماً في إسلام الأتراك، يمكن أن نكون كما يأتي، إن اعتناق عدد لا يستهان به من الخزر لمبادئ الإسلام، قد أبعد بالتدريج كل صلة لهم بالديانات الأخرى بعد خضوعهم للكبشاك، ثم اندماج هؤلاء المسلمين مع الغزاة بعد ذلك قد كانت نتيجته المباشرة عزل المنطقة التي حول مصب الفولجا عن جميع الديانات الأخرى كالمسيحية والبوذية، ما عدا الديانة الإسلامية.
ووجد الإسلام نفسه في هذه المنطقة دون منافس من ديانات أخرى مدة قرنين، فكان هذا الوقت، كافيا لصنع المعجزة في نفوس هؤلاء الكباش الوثنية الذين عرفوا بعض الشيء عن هذا الدين عن طريق صلاتهم السابقة مع الخورزيين ومن تحصيل الحاصل أن يعتنق الكباش الإسلام في مثل ظروف من هذا النوع والتاريخ يعرف أمثلة كثيرة لشعوب رحل، أخضعت شعوبا لسلطاتها شعوبا مستقرة أكثر حضارة منها، ثم اعتنقت بعد ذلك ديانة المغلوبين. فنرى من ذلك أن تولد لا ينكر الدور المهم الذي لعبه الإسلام بين الخرز، وهو يرى أنه لم يصبح الدين الذي يعتنقه معظم الناس. أما مصير الإسلام بعد سقوط هذه الدولة، فقد مر عليه في ذلك الكتاب مر الكرام، ولم يفكر فيه.
أما ما يتعلق بإسلام الكبشاك بصورة عامة، فيجد في كتابه المذكور الشيء الكثير من التناقض. وأول ذلك التناقض قوله: (إن قسما من الأوغاز (وهم أقوام من الترك سبقوا الكباش إلى أوربا الشرقية) الذين استقروا في مجرى نهر الفولجا الأسفل، قد اعتنقوا الإسلام أثناء أيضاً، ولكن ذلك لم ينفذ إلى قلوبهم وإنما كان طلاء وزيفا، وبقى عدد كبير منهم يمارس المعتقدات الشامانية.
ولا شيء يثير الدهشة إليه من سطحية إسلام هؤلاء الكبشاك، لأن الشعوب التي تعتنق ديانة جديدة ولا سيما الرحل منها، تظل بحكم العادة أقرب في معتقداتها إلى الديانة القديمة منها إلى الديانة الجديدة.
وعلى سبيل المثال، فقد كان ذلك، كما هو معروف في التاريخ، شأن قسم من القبائل الروسية حتى القرن عشر الميلادي، وربما بعد هذا التاريخ.
ولكن الذي الدهشة، أن يجد المرء في نفس الوجه من كتاب بار تولد الذي نتحدث عنه زعمين متناقضين؛ فهو برغم من جهة (أن المنطقة الواسعة التي استقر فيها الكبشاك، كانت في ذلك الوقت، خارج منطقة النفوذ الإسلامي، وفي القفقاس اشترك الكبشاك في القرن الثالث عشر الميلادي، في الهجوم على البلاد الإسلامية) وبعد اسطر غير قليلة يقول: (والمصادر الإسلامية تدلنا بصورة لا تقبل الشك، أن الكبشاك والقانجلوس (من الشعوب التركية ولعلهم من أبناء عمومة الكبشاك) قد اعتنقوا الإسلام في القرن الثاني عشر عن طريق صلاتهم مع الخورزبين). وفي صفحات سابغة من الكتاب نفسه يقول البر فسور بار تولد: (كان لا يزال في الشمال الغربي من آسيا عدد كبير من القبائل التركية الرحل، الذين على الرغم من اتصالهم بالحضارة الإسلامية، كانوا يحملون العداء للدين الإسلامي.
ونجح الكبشاك في القرن الحادي شر في توسيع مدى هجرتهم إلى عشر في توسيع مدى هجرتهم حتى وصلوا في تلك الهجرة إلى تخوم البلدان الإسلامية في الجنوب، وأصبحوا جيران الخورزبين. كيف يمكن تعليل هذا التناقض؟. ليس من اليسير على، ولا من المبهج لنفسي، أن أخالف الرأي علامة من طراز بار تولد النادر، وأشعر وأنا أفعل ذلك بالشيء الكثير من عدم السرور.
والذي يشفع لي في تلك المخالفة ويجرؤني على انتقاد آرائه، أن النتائج التي يصل إليها علامة عظيم، إذا لم تدعمها المصادر التي لا مفر من الاستناد إليها (كالتي نحن بصدها)، فإن فقدان تلك المصادر، يولد حالة تنحرف بالحقائق عن مجراها الصحيح، وندفع الآخرين إلى ذلك الطريق الممهد، مهملين التعمق في دراسة المشاكل التي لا يعرف عنها إلا القليل. والذي أراه أن رأي بار تولد في الأمر، ينبغي أن يفسر كما يأتي: وقبل كل شيء ينبغي أن تعرف أولاً، أنه كان معنياً أشد العناية بتاريخ أواسط آسيا، وحينما امتدتالحوادث إلى القسم الغربي من الفولجا، لم يكن دقيقاً في الإحاطة بها.
وثانياً فيما يتصل بالقبائل الكبشاكية التي احتلت مملكة الخزر القديمة، فيجب أن نفرق بين الجماعات الرحل وغير الرحل منهم، فإن أولئك الذين امتزجوا بالخرز واستقروا إلى جانبهم، راحوا يعتنقون الإسلام بالتدريج.
وأولئك الذين بقوا على عهدهم الأول من البداوة، استمروا على وثنيتهم الأولى، أو كان الإسلام عند الذين اعتنقوه منهم، ليس غير طلاء خارجي لم ينفذ إلى مواطن الإيمان من نفوسهم. ومما يجعل طريقة إسلام الكبشاك غامضة نوعا ما، أن المؤرخين من الروس لم يهتموا بهم كثيراً ولا قليلاً.
وبهذه المناسبة يجدر بنا أن نذكر أن الأستاذ (ن.
بارسوف صاحب المؤلف الرائع (الجغرافيا التاريخية لروسيا القديمة) كان قد أشار منذ مدة طويلة إلى أن مؤرخي الروس كانوا يكرهون التحدث عن الإسلام اشد الكره، وانهم كثيراً ما كانوا - بدافع من بغضهم المتأصل للإسلام - يخلطون بين المسلمين والوثنيين.
ومن الجديد بالذكر أن بعض القبائل الكبشاكية التي اتصلت بالروس غالبا ما كانت تعتنق المذهب الارتوذكسي.
وهذا الكلام يصدق فقط على الكبشاك الرحل، أما أولئك الذين سكنوا المجاري السفلى لنهر الفلجا فلا اعتقد أنهم اتصلوا أدنى اتصال بالروس. ومن حسن الحظ أن أجد تأييداً لما ذهب إليه من مؤرخ روسي آخر يدعى أ.
يا كويوفسكي في كتابة عن عصر هؤلاء البرابرة الذهبي نقتطف منه ما يأتي: (أن الغالبية العظمى من الكبشاك عاشت معيشة ارتحالية، غير أن قسما منهم اخذ يستبدل بهذه الحياة الزراعية المستقر تدريجياً.
(واستولى الكبشاك على الممتلكات الواسعة التي خلفتها المملكة السابقة، وكان الخزر إذ ذاك يحيون على ضفاف الفولجا حياة زراعية بحتة، واعتاد هؤلاء الغزاة هذه الحياة، ولكنهم راحوا يفقدون لغتهم ومميزاتهم العنصرية.
على الرغم من احترافهم الزراعة، وتحضرهم). ويذكر يا كويوفكسي أن غزو الكبشاك، لم يوفق التجارة بين حوض الفولجا الأسفل والأقطار الإسلامية، تلك التجارة التي كانت منتعشة قبل مجيئهم.
وبعد ذلك يمضى في تأييد ما ذهب إليه عن كيفية إسلام الكبشاك حين يقول: (وفي نفس الوقت الذي كانت التجارة آتية من الشرق، كان الإسلام يسير معها، مخترقا مدن الفولجا شيئاً فشيئاً.
(وأن اعتناق سكان مدن الفولجا الإسلام، وخاصة المراكز المهمة، مثل بلغار وإتل (عاصمة مملكة الخزر السابقة)، كان نتيجة للأعمال التبشيرية التي قام بها التجار والصناع). وما أشرت إليه في هذا المقال عن إسلام كبشاك حوض نهر الفولجا الأسفل، يتفق وما جاء في كتاب بار تولد عن إسلام برابرة العصر الذهبي.
يقول بار تولد: (لقد كان لثقافة العالم الإسلامي العالمية في ذلك الوقت اثر كبير على إسلام رؤساء الأقوام الذين كانت العقائد المسيحية متغلغلة بينهم، أكثر من تغلغل الديانة الإسلامية بين الكبشاك.
أما الأليانين (أو الأوسيتين اليوم فقد كان يصفهم المؤرخون بأنهم مسيحيون.
إلا أن ابن بطوطة الرحالة الإسلامي الشهير قابل في سراي (وهي عاصمة مملكة البرابرة)، وتقع في مجرى الفالجا الأسفل، قسيما من الألينين الذين اعتنقوا الدين الإسلامي). ويصف بعد ذلك بار تولد إسلام ببرك خان شقيق مانوخان (مؤسس عصر البرابرة الذهبي).
والذي حكم من 1254 - 1266، واشتهر بتعلقه الشديد بالدين الإسلامي، يقول بار تولد: (ولم يكن الخان مسلماً فحسب، بل كانت زوجاته من واتباعه مسلمين أيضاً.
لقد كان لكل أمير، ولكن زوجة زوجاته مؤذن وإمام خاص، وكانت هنالك مدارس لتعليم الصبيان القران الكريم). ولقد تم عمل من هذا النوع في مدى عشرين سنة من استيلاء المنغول على حوض نهر الفالجا الأسفل.
ولم يكن مثل هذا العمل ممكناً، لو لم يكن الإسلام منتشرا في تلك الأماكن قبل مجيء هؤلاء الغواة الوثنيين. غرفة التجارة: بغداد علي محمد سرطاوي

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢