أرشيف المقالات

عند خروج الروح .. المؤمن يحب لقاء الله، والكافر أو الفاجر لا يحب لقاءه

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
2عند خروج الروح
المؤمن يحب لقاء الله، والكافر أو الفاجر لا يحب لقاءه

فالحيُّ يكره الموت، ويحب الحياة فطرة، ولكن يتغيَّر هذا للمؤمن عندما تَبلُغ الروح الحلقوم، ويُبشَّر برِضوان الله وكرمه، فإنه في هذه اللحظة يحب لقاء الله - أي يحب الموت - فيحب الله لقاءه؛ فقد أخرج البخاري عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن أحبَّ لقاء الله، أحبَّ الله لقاءه، ومَن كرِه لقاء الله، كرِه الله لقاءه))، قالت عائشة: إنَّا لنَكره الموت، قال: ((ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحبَّ لقاء الله وأحبَّ الله لقاءه، وإن الكافر إذا حُضِر بُشِّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكرِه لقاء الله، وكرِه الله لقاءه)).
 
وجاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قال الله - عز وجل -: إذا أحبَّ عبدي لقائي، أحببتُ لقاءه، وإذا كرِه لقائي، كرِهتُ لقاءه)).
 
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن أحب لقاء الله، أحبَّ الله لقاءه، ومَن كرِه لقاء الله، كرِه الله لقاءه، قلت: يا نبي الله، أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت، قال: ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا بُشِّر برحمة الله ورِضوانه وجنَّته، أحبَّ لقاء الله، فأحبَّ الله لقاءه، وإن الكافر إذا بُشِّر بعذاب الله وسخطه، كرِه لقاء الله، وكرِه الله لقاءه)).
 
عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن أحبَّ لقاء الله، أحبَّ الله لقاءه، ومَن كرِه لقاء الله، كرِه الله لقاءه))، قلنا: يا رسول الله، كلنا يَكره الموت، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس ذلك كراهية الموت، ولكن المؤمن إذا حُضِر جاءه البشيرُ من الله تعالى بما هو صائر إليه، فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله تعالى، فأحبَّ الله لقاءه، وإن الفاجر - أو الكافر - إذا حُضِر جاءه بما هو صائر إليه من الشر، أو ما يَلقى من الشر، فكَرِه لقاء الله، فكَرِه الله لقاءه))؛ (أحمد).
 
قال الحافظ كما في "فتح الباري" (11: 376):
"قال ابن الأثير في "النهاية": "المراد بلقاء الله هنا: المصير إلى الدار الآخرة، وطلَب ما عند الله، وليس الغرض به الموت؛ لأن كلاًّ يكرهه، فمَن ترك الدنيا وأبغضها، أحب لقاء الله، ومَن آثرها وركَن إليها، كرِه لقاء الله؛ لأنه إنما يَصِل إليه بالموت، وقول عائشة - رضي الله عنها -: "والموت دون لقاء الله" يُبيِّن أن الموت غير اللقاء، ولكنه معترض دون الغرض المطلوب، فيجب أن يصبر عليه ويحتمل مشاقَّه، حتى يصل إلى الفوز باللقاء.
 
قال الطيبي - رحمه الله -:
"يريد أن قول عائشة: "إنَّا لنكره الموتَ"، يُوهِم أن المراد بلقاء الله في الحديث: الموت، وليس كذلك؛ لأن لقاء الله غير الموت، بدليل قوله في الرواية الأخرى: "الموت دون لقاء الله"، لكن لما كان الموت وسيلة إلى لقاء الله، عبَر عنه بلقاء الله"؛ اهـ.
 
وجاء في "فتح الباري" للحافظ ابن حجر - رحمه الله -:
"إن مَلَك الموت أتى إبراهيم - عليه السلام - ليَقبِض رُوحه، فجلس أمامه، قال: ماذا تريد؟ قال: أَقبِضُ رُوحك، قال: وهل خليل يقبض رُوح خليله؟ قال المَلَك: وهل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله، فسكت إبراهيم - عليه السلام - فقُبِضت رُوحه)).
 
وعن حبان بن الأسود قال: "الموت خير، يوصل الحبيب إلى الحبيب"؛ (حلية الأولياء: 10/9).
 
من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -:
أخرج ابن حبان في "صحيحه" والطبراني في "الكبير" عن فضالة بن عُبيد - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اللهم مَن آمن بك، وشهِد أني رسولك، فحبِّب إليه لقاءك، وسَهِّل عليه قضاءك، وأقلِل له من الدنيا، ومَن لم يؤمن بك، ولم يشهد أني رسولك، فلا تُحبِّب إليه لقاءك، ولا تُسَهِّل عليه قضاءك، وأكثر له من الدنيا))؛ (السلسلة الصحيحة: 813).
 
وممَّا يؤكِّد على ما سبق: أن الملائكة تنزل عند الموت، لتُبشِّر المؤمن بالجنة ورِضوان الله، فيحب العبد لقاء الله.
 
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ [فصلت: 30 - 32]، فقوله: ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ ﴾؛ أي: عند الموت.
 
وقال العوفي: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "إن المؤمن إذا حضره الموت، شهِدته الملائكة، فسلَّموا عليه وبشَّروه بالجنة، فإذا مات مشوا مع جنازته، ثم صلَّوا عليه مع الناس"؛ (تفسير ابن كثير 4: 421).
 
ولذلك تجد العبد الصالح يطلب ممَّن يحمله أن يُسرِع به إلى القبر؛ لما يرى من الكرامة والنعيم، وأما العبد السوء عندما يرى ما ينتظره من العذاب والنَّكال، فينادي بالويل والثبور.
 
دعاء الفاجر على نفسه بالويل عند حمل جنازته:
أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا وُضِعَت الجنازةُ، واحتَمَلها الرجالُ على أعناقهم، فإن كانت صالحة، قالت: قدِّمُوني، وإن كانت غير صالحة، قالت: يا ويلها، أين يذهبون بها؟ يسمعُ صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعهُ لصُعِقَ)).
 
وعند النسائي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إذا وضِع الرجل الصالح على سريره، قال: قدِّمُوني قدِّمُوني، وإذا وُضِع الرجل - يعني السوء - على سريره، قال: يا ويلي، أين يذهبون بي؟)).
 
وبعد:
فهذا آخر ما تيسَّر جمْعه في هذه الرسالة، نسأل الله أن يكتب لها القَبُول، وأن يتقبَّلها منَّا بقَبُول حسنٍ، كما أسأله - سبحانه وتعالى - أن ينفع بها مؤلِّفها وقارئها! ومَن أعان على إخراجها ونشرها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
 
هذا وما كان فيها من صواب فمن الله وحده، وما كان من سهو أو خطأ أو نسيان، فمنِّي ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وهذا بشأن أي عملٍ بشري يعتريه الخطأ والصواب، فإن كان صوابًا فادعُ لي بالقبول والتوفيق، وإن كان ثَمَّ خطأ، فاستغفر لي.






إن وجدت عيبًا فسُدَّ الخللا
جلَّ مَن لا عيبَ فيه وعَلا






 
فاللهم اجعل عملي كله صالحًا، ولوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه نصيبًا.
 
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 
هذا والله - تعالى - أعلى وأعلم، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شارك الخبر

مشكاة أسفل ٢