أرشيف المقالات

واجب المؤمنين نحو ضروب الصواعق السماوية

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
2واجب المؤمنين نحو ضروب الصواعق السماوية

ليست الغارات الجوية إلا ضربًا من ضروب الصواعق السماوية يرسلها الله فيصيب بها من يشاء من عباده، وهي من الفتن والبلايا العامة، التي يقول الله تعالى في أمثالها: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ [الأنفال: 25]، ويقول فيها صلوات الله وسلامه عليه: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك الله أن يعمهم بعقاب منه))؛ رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وفي حديث الشيخين: أن زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، أنهلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثر الخبث)).
 
غير أنها تكون للصالحين عظة وعبرة وتذكرة بيوم الفزع الأكبر، يوم ينفخ في الصور، ويقوم الناس من القبور، وأما الذين في قلوبهم مرض، فيزيدهم الله بالنُذُر مرضًا ويذرهم في طغيانهم يعمهون.
 
وبعد، فعلى كل مؤمن نحو هذه الغارات واجبات ثلاثة: واجب قبلها، وواجب معها، وثالث بعدها؛ فأما الواجب الذي قبلها، فهو أن يعتقد اعتقادًا لا ريب فيه أن الموت أصبح يهدده في كل لحظة، فيصلح من نفسه ويزكيها، ويتحلل من المغارم والمآثم، ويؤدي ما عليه من حقوق الله وعباده، ويجدد التوبة في كل وقت، ويصلي صلاته وهو مودع؛ فإنه لا يدري أيصلي بعدها أم لا؟ ويفعل من الخير ما يظن أنه خاتمة عمله؛ فإن الأعمال بخواتيمها، والناس يبعثون على نياتهم، ويستعد للقاء الله - عز وجل - على الحال التي يسرُّه أن يلقاه فيها، وليختر لنفسه ما أحب، وليتعوذ بالله من جهد البلاء[1]، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، وليتحصن بذكر الله ودعائه كما علمنا الله ورسوله، ومن الأدعية الجامعة: ((اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر))؛ رواه مسلم.
 
وعن عبدالله بن خبيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء))؛ رواه أبو داود والترمذي.
 
ورويَا أيضًا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات، إلا لم يضره شيء)).
 
وينبغي للمؤمن ألا ينام إلا على وضوء وذكر، ومن أذكار النوم ما رواه الشيخان: ((باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين))، وأَجمع كتابٍ للذكر والدعاء هو كتاب الأذكار للإمام النووي؛ فليتزود منه من أراد الخير ورغب فيه، وبخاصة في هذا الوقت العصيب.
 
وأما الواجب وقت وقوع الغارات، فهو أن يأخذ نفسه بالصبر والجلد والثبات والشجاعة وضبط النفس، وليتكلف هذه الصفات حتى يمرن عليها وتصير له خلقًا، وليعلم أن شدة الخوف والجزع لا تؤخر أجله لحظة، بل لا تزيده إلا اضطرابًا وانزعاجًا، والشجاع يموت في العمر مرة، وأما الجبان فإنه يموت ألف مرة ومرة، وما أكثر القتلى حين تعدهم والمصابين إلا من هؤلاء الخائفين والطائشين.
 
ومن صفات المؤمنين: قوة العزيمة، ورباطة الجأش، والرجوع إلى الله والتفويض إليه، وهذه كلها لا تنافي الحيطة في الوقاية والأخذ في أسبابها؛ بل هي من الإيمان متى اقترنت بالحكمة والأناة وحسن الاعتماد على الله، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
 
ويشهد لكل ما قلنا هذا الحكمُ النبوي الجامع، الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تَعجِز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا، كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَرُ الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان)).
 
وبعد أن يتحلى المؤمن بالصفات التي ذكرنا، يقصد إلى الوضوء والصلاة، فيصلي ما شاء الله؛ فقد قال تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ [البقرة: 45]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبَه أمر - أي: أهمَّه - وأصابه فزع أتى الصلاة، والصلاة أفضل الأذكار وأجمعها، وأَولى ما يقدمه العبد عند المصائب والأهوال، وأي مصيبة أشد من الخوف والذعر؟ وقد ذكره الله تعالى في أول صنوف المصائب إذ قال: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ﴾ الآية [البقرة: 155]، ولذلك يطلب إليه أن يقول كما علمنا الله ورسوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها.
 
ومن أدعية الكرب والغم والحزن: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم))؛ رواه الشيخان، وروى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه؛ كلمة أخي يونس: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين))، وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "(حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ﴾ [آل عمران: 173]"، وفي سنن أبي داود والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قومًا قال: ((اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم)).
 
وجملة القول أن يتطهر العبد - أثناء الغارات - حسًّا ومعنًى، وألا يشتغل بغير الضراعة إلى الله وذكر دعائه، وأن يكون قدوة حسنة لأهله وذويه؛ فقد أثبتت المشاهدات أنهم يَشجُعون بشجاعته، ويَهلَعون بهلعه ومخافته، ولقد سمعت أهل بيت يثبتون جيرانهم ويسكنون خوفهم؛ تأثرًا برب البيت واقتداء به.
 
ونهيب بأهل العلم - وهم أَولى الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم - أن يقتدوا به، وأن يكونوا أول الناس ثباتًا، وآخرهم خوفًا؛ فلقد قرؤوا في شمائله صلى الله عليه وسلم أنه أشجع الناس وأشدهم نجدة وإقدامًا، وأنه أصاب أهلَ المدينة فزعٌ وذعر ذات ليلة، فانطلق ناس قِبَل الصوت، فتلقاهم صلى الله عليه وسلم راجعًا قد سبقهم، واستقرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ والسيف في عنقه وهو يقول: ((لن تُراعُوا، لن تراعوا)).
 
أما الواجب الذي بعد الغارات، فهو أن نذكر الله ذكرًا كثيرًا، وأن نسبحه بكرة وأصيلاً، وأن نحمده على النجاة من المكروه، وأن نزيد في شكره وامتثال أمره؛ ليزيدنا ثباتًا وأمنًا، وخيرًا وفضلاً؛ فقد وعد الشاكرين مزيد فضله ونعمته ﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 111].
 
تلك واجبات ثلاث إذا أداها المؤمن حق أدائها، ورعاها حق رعايتها، كان حقًّا على الله أن يحييه حياة الصالحين، ويتوفاه وفاة الأبرار المخلصين ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97].
 
مجلة الهداية الإسلامية - العدد 14 - الجزء الأول والثاني
بتاريخ رجب، شعبان سنة 1360هـ - أغسطس، سبتمبر سنة 1941م



[1] المشقة في المعاش، والشقاء في المعاد؛ لأنه لا شقاء بعده، والمراد بالقضاء المقضي كميتة السوء؛ لأن قضاءه تعالى لا سوء فيه، ولفظ الحديث: ((تعوذوا بالله...
إلخ)
)
؛ رواه الشيخان.

شارك الخبر

المرئيات-١