أرشيف المقالات

الشجرة

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
2الشجرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
 
الشجرة..
تلك الشجرة الناضرة تزيِّنها الأوراق اللامعة ذات الألوان الزاهية..
سرَّني منظرها، تجولت حولها لعل ناظري يزداد بهجةً وأنسًا.....
هنا تغيَّرت ملامح البهجة..
 
وتجمَّدت خطواتي للحظة..
رجعت للوراء لعلي أخطأت المسير..
ولكن هي هي نفس الشجرة..
 
أغصان دامية، وأوراق ذابلة، ودموع ساقطة..
جلست لأقرب مقعد، وعيناي لا تفارق الشجرة؛ فقد هالني منظرها...
شجرة بهذا الحال، هل ستعيش؟!
 
حينها غرقت في مخيلتي، وتذكرت ذلك الجسد الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم في وصف أمة المسلمين، الذي ما إن يشتكي جزء منه إلا وجميع الجسد يُهرَع معه ويقاسمه شكواه؛ عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتَكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى))؛ صحيح البخاري، برقم: (6011)، وصحيح مسلم، برقم: (2586)، واللفظ له.
 
سقط في نفسي حينها..
كيف أتساءل عن حال الشجرة بينما حال أمتي أكثر حيرة وحزنًا؟! في مشارق الأرض ومغاربها دماء المسلمين تَجري، وصرخات النساء تعلو بكاء الأطفال، آلام وجراح، ودموع الرجال تحرق القلوب والوجدان!






أمَّتي، هل لكِ بين الأممِ
منبر للسَّيفِ أو للقلَمِ؟


أتلقَّاكِ وطَرفي مُطرِق
خجلاً مِن أَمْسِك المُنصرِمِ






 
فجسد أمتي أتعبته الجراح، وأنهكته الصرخات، فكيف أصبح الجسد مخدرًا بعضه عن بعض، فلا يدري شماله عن جنوبه؟ لن يكون الجسد صحيحًا كاملاً إلا بحياة وسلامة أعضائه، وبعدها شبكت أصابعي بعضها ببعض مطلقًا تفكيري في حديثه صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا)) ثم شبك بين أصابعه؛ متفق عليه، وقد قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في "فتح الباري شرح صحيح البخاري": "وهذا التشبيك من النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، كان لمصلحة وفائدة، لم يكن عبثًا؛ فإنه لما شبَّه شَدَّ المؤمنين بعضهم بعضًا بالبنيان، كان ذلك تشبيهًا بالقول، ثم أوضحه بالفعل، فشبَّك أصابعه بعضها في بعض؛ ليتأكد بذلك المثال الذي ضربه لهم بقوله، ويزداد بيانًا وظهورًا، ويُفهم من تشبيكه: أن تعاضد المؤمنين بينهم كتشبيك الأصابع بعضها في بعض، فكما أن أصابع اليدين متعدِّدة فهي ترجع إلى أصل واحد، ورجُل واحد، فكذلك المؤمنون وإن تعدَّدت أشخاصهم فهم يرجعون إلى أصل واحد، وتجمعهم أخوة النسب إلى آدم ونوح، وأخوة الإيمان.."؛ انتهى.
 
هذا هو الحل! هذا هو طريق النصر والفوز! هذا هو طريق عودة الأمة إلى النصر!
 
الله - عز وجل - قادر أن ينصر الأمة، قادر أن ينصر دينه في أقل من لمح البصر، أن يهلك الظالمين المُعتدين، الله غني عنَّا، وقد قال - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ [محمد: 4]، ولكن هو الابتلاء والتمحيص؛ ليرى الذين ينصرون الدين وينفعون الأمة، ومَن يكونون من الخاذلين، فعلينا ألا نستهين بتقديم النصر للأمة مهما كان قليلاً وإن كان مقدار خردل، فنحن إن لم نكن ناصرين، فنخاف أن نكون من الخاذلين، وبقدر الاستطاعة وعدمها يكون النصر والخذلان، والله - عز وجل - سيُحاسبنا على خِذْلاننا للأمة بالقدر الذي كنا نستطيع به أن ننصرها فتركْنا، فالله يعلم المقدار الذي يستطيعه كل عبد من عباده، قليلاً كان أو كثيرًا، وكلٌّ بما قدم، ولنحذر من التهاون بالقليل، فيكون علينا وبالاً كثيرًا.
 
فعن جابر بن عبدالله وأبي طلحة بن سهل الأنصاري رضي الله عنهم جميعًا، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما مِن امرئ يَخذل امرأً مسلمًا في موضع تُنتهك فيه حرمته، ويُنتقص فيه من عِرضه، إلا خذَله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئٍ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عِرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب نصرته))؛ [أحمد وأبو داود].
 
وقد قال ابن القيم - رحمه الله -:






هذا، ونصر الدين فرض لازم
لا للكفاية، بل على الأعيانِ


بِيَدٍ وإما باللسان فإن عجز
ت فبالتوجُّه والدعا بجنانِ






 
ولنرَ الآن كيف نستطيع أن نساهِمَ نحن كأفراد في هذا الجسد وهذا البنيان، وكيف يشتد البنيان بنا، سنجد الجواب في قوله تعالى: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40].
 
مَن هم الذين وعدهم الله بالنصر والفوز؟ هم الذين نصروا الله - عز وجل، وكيف تكون نصرته؟ نكمل الآية: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 41] "الذين وعدناهم بنصرِنا هم الذين إنْ مكَّنَّاهم في الأرض، واستخلفناهم فيها بإظهارهم على عدوهم، أقاموا الصلاة بأدائها في أوقاتها بحدودها، وأخرجوا زكاة أموالهم إلى أهلها، وأمَروا بكل ما أمر الله به مِن حقوقه وحقوق عباده، ونَهَوا عن كل ما نهى الله عنه ورسوله، ولله وحده مصير الأمور كلها، والعاقبة للتقوى"؛ التفسير الميسر.
 
هؤلاء الذين سينصرهم الله - عز وجل - مَن اتقى وأخلص واتبع المنهج واهتدى، كلها أعمال نستطيع كأفرادٍ العملَ بها والالتزام بها، أعمال فيها تزكية للنفوس ونصر للأمة، فلنحتسب بالتزامنا بها نصرةَ الأمة، والمساهمة في أن يكون البنيان شديدًا متماسكًا، ولنراجع إيماننا الذي هو الأصل الذي تنبعث من خلاله أعمال جوارحنا؛ فقد قال ابن أبي جمرة: شبَّهَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الإيمان بالجسد، وأهله بالأعضاء؛ لأن الإيمان أصل، وفروعه التكاليف، فإذا أخَلَّ المرء بشيء من التكاليف شانَ ذلك الإخلالُ الأصلَ، وكذلك الجسد أصل كالشجرة، وأعضاؤه كالأغصان، فإذا اشتكى عضو من الأعضاء اشتكت الأعضاء كلها، كالشجرة إذا ضُرب غصنٌ من أغصانها اهتزت الأغصان كلها بالتحرُّك والاضطراب.
 
وفي المقابل كل ما يصيب المرء من شر ومصائب، فهو من نفسه، وبما قدمت يداه؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ [الشورى: 30]، ويقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "الآية على عمومها وظاهرها، وإنما المؤمنون: يصدر منهم من المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان، ما يَصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المُخالفة، فهم الذين تسبَّبوا إلى جعل السبيل عليهم، كما تسببوا إليه يوم أُحُد بمعصية الرسول ومخالفته، والله سبحانه لم يجعل للشيطان على العبد سلطانًا، حتى جعل له العبد سبيلاً إليه بطاعته والشرك به، فجعل الله حينئذ له عليه تسلطًا وقهرًا، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله تعالى، ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسه"؛ انتهى من "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" (1 / 101).
 
وقد بيَّن حديث ابن عباس ذلك حين قال: "ما نقض قومٌ العهدَ إلا سلَّط اللهُ عليهم عدوَّهم، ولا فشتِ الفاحشةُ في قومٍ إلا أخذهم اللهُ بالموتِ، وما طفَّف قومٌ الميزانَ إلا أخذَهم اللهُ بالسِّنينَ، وما منع قومٌ الزكاةَ إلا منعَهم اللهُ القطرَ من السماءِ، وما جار قومٌ في حكمٍ إلا كان البأسُ بينهم، أظنُّه قال: والقتلُ" الراوي: عبدالله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، المحدث: الألباني، المصدر: السلسلة الصحيحة، الصفحة أو الرقم: 1 / 219، خلاصة حكم المحدِّث: إسناده صحيح.
 
ومن أعظم الأبواب والأسلحة في المساهمة لنصرة الأمة: "الدعاء"، الذي تهاون به كثير مِنا واستقَلَّ أمره.






أتهزأ بالدعاء وتزدريه؟
وما تدري بما صنع الدعاء


سهام الليل لا تُخطي، ولكن
لها أمد، وللأمد انقضاء






 
ففي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم، وإخلاصهم))؛ الراوي: سعد بن أبي وقاص، المحدِّث: الألباني، المصدر: صحيح النسائي، الصفحة أو الرقم: 3178، خلاصة حكم المحدِّث: صحيح.
 
قال الأصمعي: لما صافَّ قتيبة بن مسلم للترك، وهاله أمرهم، سأل عن محمد بن واسع، فقيل: هو ذاك في الميمنة جامح على قوسه، يُبصبص بإصبعه نحو السماء، قال: تلك الإصبع أحب إليَّ من مائة ألف سيف شهير وشاب طرير.
 
فليكن لنا في كل يوم دعاء لأمتنا وأهلنا في الشام، وفي كل مكان، ولنأخذ بأسباب الدعاء ومواطن الاستجابة؛ لنَستشعِر أجزاء الجسد، ولنتفقد أرجاء البنيان، ولنتلمس أغصان الشجرة..
 
لننصر أمتنا ولنكون من أنصار الدين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ ﴾ [الصف: 14].
 
نسأل الله العظيم أن ينفع بنا الأمة، ويرفع عنها الفتن، وأن يُهلِك الظالمين المعتدين، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

شارك الخبر

المرئيات-١