أرشيف المقالات

أسامة بن منقذ وشعره

مدة قراءة المادة : 13 دقائق .
8 للأستاذ أحمد أحمد بدوي - 1 - في يوم الأحد السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة 488هـ (يولية سنة 1095م) ولد أسامة بن منقذ في أسرة توارثت إمارة (شيزر) وهي مدينة في الشمال الغربي لحماة، تبعد عنها خمسة عشر ميلاً، وتقع على هضبته يحيط بها نهر العاصي من جهات ثلاث، وتنهض فيها قلعة شامخة حصينة، وكان لهذه القلعة قيمتها في عصر الحروب الصليبية، لمركزها الحربي الحصين، ومكانها بين الولايات السورية، فكانت مطمع الطامعين من أمراء المسلمين والصليبيين. ولد أسامة لأب صالح يقضي وقته بين تلاوة القرآن، والصيد في النهار، ونسخ كتاب الله في الليل، ووالدة شهرت بالشجاعة، والنخوة، والأقدام، وقد تركه والده منذ صغره يقتحم الأخطار، ويركب الصعب من الأمور، فلا ينهاه عن أن يمضي إلى حية يحز رأسها، ويلقي بها في الدار ميتة، وهو ثابت رابط الجأش، ولا يحول بينه وبين مصارعة الأسود بشيزر، وقتل ما يصرعه منها، وهكذا شب جريئاً لا يهاب.
ومما ساعده على ذلك أنه كان يشترك مع أبيه في رياضته المفضلة عنده وهي الصيد. إلى جانب هذه النشأة التي تعد للحرب والنضال، تلقى أسامة الثقافة التي كان يتلقاها الأمراء في ذلك العصر، فدرس الحديث والأدب، والفقه، والنحو، واللغة، وحفظ الكثير من الشعر، وأخذ من ذلك بنصيب واف، يشهد له به كتبه، وما ضمنت من أحاديث كثيرة، متنوعة الأغراض، ومن مأثور كلام البلغاء من المتقدمين، وما استشهد به من شعر ومنثور، وما أورده في شعره من ألفاظ لغوية استعملت في معانيها الدقيقة مما لم يكن يجري إلا على أقلام كبار البلغاء، أخذ ذلك عن كبار الأساتذة، كما كانت البيئة التي عاش فيها بيئة أدبية ممتازة، فقد كان الأمراء من بني منقذ ممن يقصدهم الشعراء والأدباء، كما أنهم كانوا علماء شعراء، ويحتفظ الأدب بكثير من أشعار أبيه وأعمامه وأجداده. كان أسامة أثيراً لدى عمه أبي العساكر سلطان حاكم (شيزر) ولما لم يكن له عقب اتخذ أسامة ابناً له، وكان يرى فيه الأمير المستقبل لشيزر، ووارث الملك من بعده، فكان يكلف من الأمور ما يتطلب شجاعة وجرأة.
واشترك أسامة في المعارك التي دارت بين أسرته وبين الصليبيين دفاعاً عن مدينتهم شيزر.
وعاش أسامة في تلك المدينة بين حب والده وعطف عمه، غير أن هذا لم يلبث بعد أن رزق أولاداً في آخر أمره، أن دب الوهن والفتور إلى العلاقة التي تربطه بأسامة، وبدلاً من حبه وعطفه عليه، بدأ الحسد والحقد يأخذان مكانهما من قلبه، خوفاً على أولاده من مكانة أسامة، وحذرا أن يئول الملك إليه دونهم، فمضى أسامة إلى الموصل لدى عماد الدين زنكي الذي صار أكبر أبطال الحروب الصليبية في وقته، وأول خطر حقيقي داهم للصليبيين، فأنتظم أسامة في جنده، وحارب تحت قيادته في عدة معارك، ولكنه لم ينس وطنه الأول شيزر، عندما هاجمه الإفرنج والروم، سنة 532هـ (1138م)، فقد مضى إليه، وأبلى بلاءً حسناً في الدفاع عنه.
وربما كان قد عزم على البقاء في شيزر بين أهله الذين فقدوا والده سنة 531هـ، غير أن عمه أبا العساكر لم يرض عن مقام أسامة بشيزر، فقد أيقن أنه أصبح خطراً على ملكه، وأن ليس لأبنائه سلامة إذا ظل أسامة في شيزر، فأمره وأخوته بالرحيل، فتشتتوا في البلاد، وكان في ذلك الخير لهم، فأنهم نجوا من الزلازل التي هدمت شيزر، وقضت على بني منقذ بأسرهم وذهبت بملكهم سنة 552هـ. مضى أسامة يوم أخرج من شيزر إلى دمشق، واتصل بحاكمها معين الدين أنر، واعتمد هذا الحاكم على أسامة في تصريف الشؤون السياسية، وقد نجح أسامة في ذلك نجاحاً رفع مكانته في دمشق، واستطاع في تلك الحقبة أن يتصل بالإفرنج عن قرب وأن يعرف الكثير من عاداتهم وأخلاقهم، ولكن المقام لم يصف لأسامة بدمشق.
ويظهر من القصيدة التي أرسلها إلى معين الدين أنر يعاتبه فيها - أن السر في نبو المقام بأسامة يعود إلى وشايات حملها الساعون إلى معين الدين فصدقها، فأنحرف قلبه عنه، يدلنا على ذلك قول أسامة: بلغ أميري معين الدين مالكة ...
من نازح الدار، لكن وده أمم هل في القضية يا من فضل دولته ...
وعدل سيرته بين الورى علم تضييع واجب حقي بعد ما شهرت ...
به النصيحة والإخلاص والخدم وما ظننتك تنسى حق معرفتي ...
(إن المعارف في أهل النهى ذمم) ولا اعتقدت الذي بيني وبينك من ...
ود، وإن أجلب الأعداء ينصرم لكن ثقاتك مازالوا بغشهم ...
حتى استوت عندك الأنوار والظلم والله ما نصحوا لما استشرتهم ...
وكلهم ذو هوى في الرأي متهم كم حرفوا من مقال في سفارتهم ...
وكم سعوا بفساد ضل سعيهم ويبدو من تلك القصيدة، وما فيها من حياة وحرارة وقوة، أن أسامة كان يضمر في قلبه فيضاً من الحب لمعين الدين، وقد ختم قصيدته بعد عتاب طويل بقوله: فاسلم، فما عشت لي فالدهر طوع يدي ...
وكل ما نالني من بؤسه نعم ترك أسامة دمشق، وسافر إلى القاهرة، فوصل إليها في جمادى الثانية سنة 539هـ (نوفمبر سنة 1144م) في عهد الخليفة الحافظ لدين الله، وكان معه والدته وزوجته وأخوه محمد نجم الدولة، فأكرمه الخليفة أيما إكرام، وأقطعه إقطاعاً عاش به في رغد من الحياة، وخفض عيش.
ولم يشأ أسامة في أول الأمر أن يزج بنفسه في الأحداث السياسية المصرية، حتى إذا ولى الظافر ألقي بنفسه في خضم هذه الأحداث، حتى ليروي المؤرخون أنه اشترك في المؤامرات التي انتهت بقتل الوزير ابن السلار، والخليفة الظافر، ورأى أسامة أن يعود بعد هذه الخطوب والحوادث إلى دمشق، برغم أن الصلة كانت وثيقة بينه وبين الوزير المصري الجديد: طلائع بين رزيك. عاد أسامة إلى دمشق سنة 549هـ (1154م) ومضت عشيرته لتلحق به، ولكن السفينة التي كانت تحملهم أصابها عطب عند عكا التي كانت في يد الصليبيين، فنهب الإفرنج ما معهم من المتاع، وساموهم سوء العذاب، حتى إذا وصلوا إلى دمشق، كانوا قد فقدوا كل ما حملوه معهم من مصر، وكان لذلك أكبر الأثر الأليم في نفس أسامة. واتصل أسامة في دمشق بحاكمها نور الدين محمود، أكبر أبطال الحروب الصليبية في عصره، وكثيراً ما أرسل إليه الوزير المصري طلائع قصائد يحثه بها على أن يتوسط لدى نور الدين، حتى تجتمع كلمة سوريا ومصر على جهاد العدو المشترك، ولكن هذه القصائد لم تثمر ثمرتها.
ويظهر أن كبر سن أسامة قد حال بينه وبين الاشتراك في الوقائع الحربية التي شنها نور الدين! وإن كان قد ساهم في بعضها، فقد حدثنا أبو شامة في كتابه الروضتين عما أبداه أسامة من ضروب البسالة في حصار قلعة حارم. ويظهر أنه وجد بعد زهاء عشر سنين قضاها في دمشق، أنه في حاجة إلى الراحة والبعد عن تكاليف السلطان وخدمة الملوك، فمضى إلى حصن كيفا، وهناك عكف على البحث والدرس والتأليف.
وربما اختار أسامة هذا المكان لما كان فيه من مكتبات ضخمة غنية.
ولكن هذه العزلة التي ارتضاها أسامة قطعها عودة صلاح الدين إلى دمشق، وقد رأى فيه أسامة البطل المنقذ للبلاد، فمضى إليه واستقبله صلاح الدين استقبالاً حسناً، فقد كانت تربطه به صلات وثيقة عندما كانا معاً في بلاط نور الدين محمود، فأعطاه صلاح الدين داراً وإقطاعاً دارة، وجالسه وآنسة وذاكرة في الأدب، وكان يستشيره فيما يلم به، وإذا مضى غلى الغزو كاتبه، وأخبره بوقائعه، وكان صلاح الدين معجباً بشعر أسامة، مشغوفاً بقراءة ديوانه، وتأمل خواطره، واستحسان روائع قصائده، وكان ولده مرهف جليس صلاح الدين، وصاحبه في الحل والترحال. عاش أسامة في دمشق يشكو الكبر، وقد ثقلت عليه الحياة، لطول عمره، حتى إذا كان الثالث والعشرون من رمضان سنة 584هـ (نوفمبر سنة 1188م) توفى أسامة بعد أن أربى على التسعين، ودفن في سفح جبل قاسيون، بدمشق. - 2 - ترك أسامة عدة كتب عرفنا منها: 1 - كتاب الاعتبار الذي نشره المستشرق الفرنسي هرتويغ درنبورج، وقد سجل فيه أسامة ذكرياته، ومشاهداته، من معارك حربية، وأحداث سياسية، في مصر والشام، ويصور الوقائع التي دارت بينه وبين الإفرنج في صدق وإخلاص، ويعلق على ما يرى، ويشيد بالبطولة،، سواء أكانت من المسلمين أم من الصليبيين، ويدون ما يراه من أعمال الأبطال، ولو كانوا من صغار الجند، ويقيد الحوادث الفردية والغربية، وينقل إلينا ضوضاء المعارك، ويصف صلة المسلمين يومئذ بالفرنج، في السلم والحرب، ويصور طبائع الإفرنج وأخلاقهم وعقائدهم، ويحوي تأملات لأسامة بشأن طول العمر، وألحق بالكتاب قصصاً ونوادر شاهد بعضها، وسمع بعضها من ثقة، وقيمة الكتاب في أن ما رواه من حوادث تاريخية ومعارك، سجلها بعد أن رآها، فكان فيها شاهد عيان، ولذا كان من أهم ينابيع التاريخ لتلك الحقبة من عصر الحروب الصليبية، وقد كتبه أسامة وهو ابن تسعين سنة. 2 - كتاب لباب الآداب، نشره الأستاذ أحمد محمد شاكر، وقد رتبه مؤلفه على سبعة كتب: الأول في الوصايا، والثاني في السياسة، والثالث في الكرم، والرابع في الشجاعة، والخامس في الأدب بمعنى كرم الخلق، وقسمه خمسة عشر فصلاً، وهو يورد في هذه الكتب ما يتعلق بها، مما جاء في القرآن الكريم، ثم ما ورد من أحاديث تتصل به، ثم يورد المأثور من أقوال الحكماء.
والكتاب السادس في البلاغة، تحدث فيه عن إعجاز القرآن، وأوردوا جوا مع كلم الرسول، ونماذج من كلام البلغاء، وجاء بكثير من محاسن الشعر الموجز البليغ الدال على مكارم الأخلاق، وقطعاً لأعراض مختلفة من الشعر.
والكتاب السابع في الحكمة نهج فيه نهج سلفه من الأبواب، والكتاب يدل على اطلاع واسع، وذوق دقيق في الاختيار. 3 - كتاب العصا.
وقد أورد فيه شواهد نثرية وشعرية تتحدث عن العصا التي عرفت في التاريخ، وأثبت فيه أيضاً كثيراً من شعره. 4 - كتاب البديع، وقد جمع فيه ما تفرق في كتب العلماء المتقدمين، المصنفة في نقد الشعر، وذكر محاسنه وعيوبه، وقد انتقد هذا الكتاب ابن أبي الإصبع في كتاب بدائع القرآن، ومن الكتاب نسخة خطية بدار الكتب. 5 - كتاب المنازل والديار، قالت عنه دائرة المعارف الإسلامية، إنه ترجمة كتبها عن نفسه عام 568هـ (1172م) في أثناء إقامته في حصن كيفا، والدافع له على كتابته زلزال أغسطس سنة 1157م، وهو يتضمن شواهد شعرية كثيرة عن المنازل والديار والأطلال والربع والدمن والرسم وغيرها، وبالمتحف الأسيوي بلننغراد نسخة منه. 6 - مختصر مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لابن الجوزي. 7 - مختصر مناقب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي أيضاً.
والكتابان مخطوطان بدار الكتب. 8 - تاريخ القلاع والحصون. 9 - أخبار النساء. 10 - التاريخ البدري، وقد جمع فيه أسماء من شهد بدراً من الفريقين. 11 - التجائر المربحة والمساعي المنجحة. 12 - النور والأحلام. 13 - الشيب والشباب. 14 - التأسي والتسلي. 15 - ذيل يتيمية الدهر. 16 - أخبار النساء. 17 - نصيحة الرعاة. وهذه الكتب العشرة قد نسبها إليه مؤرخوه، أو أشار إليها في كتبه التي بين أيدينا. (يتبع) أحمد أحمد بدوي

شارك الخبر

مشكاة أسفل ٣