أرشيف المقالات

الشيوعية والدين

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
8 للأستاذ إبراهيم البطراوي يميل كثير من كتاب العالم هذه الأيام في الدول غير الشيوعية إلى المبدأ القائل (بأن الشيوعية والدين نقيضان لا يجتمعان في دولة واحدة) ويركزون معظم نقدهم وهجومهم على الماركسية في هذه النقطة بالذات لأنها كما يقول بعض مفكري الأسبان (ملتقى الحواس في أعصاب الأمم جميعاً). ولكن الدارسين للظواهر الاجتماعية يقررون أن جميع الجهود والأموال التي أنفقت في هذه الحرب الفكرية حتى الآن قد ضاع أكثرها سدى فلم ينتفع بها الانتفاع الذي كان مقدراً.
وليس هذا فقط، بل إن الفائدة لم تصل إلى حد المثل بعد.
ولقد كان لهذه النتيجة وقع اليم في نفوس الكثيرين ولا سيما في هذا الوقت الذي يعاني فيه كثير من الشعوب أزمات اقتصادية متعددة، فبدءوا يعاودون النظر ويرسمون الخطط ويوحدون الجهود ليتداركوا ما فات. والحق أن هذا المبدأ وحده غني بمواد كان يكفي أقلها عدداً وأبسطها أثراً للقضاء على فكرة الشيوعية ومحوها نهائياً من صفحة الوجود لو أنه أحسن استغلاله والانتفاع به.
أما مجرد القول بمبدأ دون الأخذ به فضرب من المحال ومخادعة للنفس وتضييع للوقت لا أكثر، ولن يفهم الناس من تكرار ذلك إلا أنه إقحام للشيء في غير موضعه واستغلال للعاطفة الدينية في الخلافات السياسية؛ أما الأهداف النبيلة والغايات الشريفة والمنافع المنتظرة والأمن من شر محقق تتهددنا به الدول الشيوعية إن لم نحم أدياننا وتقاليدنا من أضدادها وهي سموم دعايتهم الخبيثة - فهذه وغيرها أشياء بعيدة كل البعد عن تفكير الرجل العادي بل وكثير من الذين يوصفون بأنهم مثقفون. وللناس عذر في ذلك لأن نظرة جدية إلى تاريخ الأمم التي تنادي اليوم بهذا المبدأ تدفعنا إلى شيء من الشك كبير في إخلاص القائمين بهذه الدعوة وفي صدق نواياهم وخلوهم من كذب ونفاق، وإلا فأي معنى لبقاء جنود أجنبية في أرض دولة ذات مجد وذات سيادة كمصر؟ وأول ما يستشعره الباحث الذي لا يقف عند حد النظرة السطحية للأشياء - هو حاج الدول الفتية إلى التمسك بهذا المبدأ والاستفادة من هذا الدرس بعد تعمق وفلسفة واستقصاء مراميه فما ألقاه الشيوخ المحنكون - والبركان في أوج ميدانه واضطرابه - إلا بعد تجارب عدة حالفهم فيها التوفيق بالنسبة للأمم التي غلبوها على أمرها وكانت مستعصية عليهم، فلم يجدوا سلاحاً أفتك بالقوى وأقصم للظهور ولا أرق للأحرار من سلاح الدين والتقاليد يزلزلونها بحوريتين فتانتين اسمهما فلسفة العصر والمدنية وما هما - لو كنا نعقل - إلا الإلحاد والإباحية. وقانون الاستعمار دائماً - على اختلاف الأزمنة والأمكنة - كما استنتجناه وشرحناه في غير هذا المكان (هو أن الثورات وليدة الفجور والإباحية التي هي معول الأديان والعقائد - وأن أصحاب المبادئ السياسية والاقتصادية لا يمكن أن تتنسم مبادئهم الحياة إلا عن طريق هذا الذي استنتجنا الآن وسميناه (قانون الهدم الاجتماعي). ولقد فطنت الوحوش المستعمرة لهذا بدهائها وتجاربها وأفادت منه في اقتناص فرائسها وإشباع شهواتها الجامحة أيما استفادة على نحو ما قدمنا. وأبسط تحليل لخفايا الأغراض المقنعة في فلسفتهم تلك التي تبدأ بنشر الفجور والإباحية وهدم حواجز الدين والتقاليد والعرف وخلال الحياء والشرف مجتمعة، وهذا بدوره يؤدي إلى التفكك والاضطراب والفوضى والثورات والانحلال، ثم ينتهي بالاستعمار - هو أن الفجور يفرق هلعاً من مجرد ذكر الحساب وتصور آلامه وأهواله على نحو ما وصفت الأديان؛ فبنشر مبادئ الإلحاد وبتسفيه القيم وبث المثيرات والمغريات وبتهيئة الأسباب وإزالة الحجب التي تحول بين الغرائز وبين الإشباع نجد قيامه - أي الفجور - وتحققه نتيجة طبيعية حتمية.
ولابد أن يمر بالأطوار الآتية على أي حال: وهي أنه - وفكرة الثواب والعقاب ما هي - لا يقدم حتى يشك، ولا يشك حتى يكفر، وتتكرر الدورة فيشك ويكفر مرة ثانية وثالثة ولا يزال كذلك حتى يصير الكفر عادة ممتزجة بدمه ولحمه فيشك في كل شيء ويكفر بكل شيء فينتقم على كل شيء ويثور عليه، وفي الثورة يتم كل شيء وفق الخطة المرسومة بكل سهولة. أجل! إن موات الأمم لا يحيا إلا بروح الدين والعقيدة، وإن ضعفها لا يقوم إلا بالاعتصام بروح الخلق والفضيلة، وتاريخ الأحياء - منذ كان لحياة الأمم تاريخ - لم يتحول عن هذا المبدأ شعرة، وتاريخ الأموات - منذ كان لموت الأمم تاريخ - لا يخلو من شك وكفر وفجور واستباحة وفوضى.
ولهذا رأينا شعباً صغيراً كالشعب البريطاني لا يتميز عن أقرانه في العدد ولا في القوة ولا في الثروة، ولكنه استطاع - بعد دراسته لنفسية الشعوب واستفادته من تجارب الآخرين في جميع العصور - أن ينتفع بهذا المبدأ في حالتي الإيجاب والسلب إلى أقصى ما يمكن أن يرقى إليه خيال: يحتل قارات بأسرها وشعوباً تكاد ترجح نصف المعمورة عدداً بحيث لو ملأ كل رجل فيها كفه من تراب إنجلترا لما وجدت مؤخرتهم أمامها غير مياه المانش وقد اتصلت بجليد القطب تملأ منها أكفها إن أرادت ألا تعود فارغة! وأضننا - وقد بلغت هذه الإمبراطورية في الاتساع ما لم تبلغه أمة قبلها ولا بعدها حتى إنك لو سألت أحد أبنائها إلى أي الشعوب ينتسب لما أجابك إلا مزهواً وقد رفع رأسه عالياً (أنا ابن الأمة التي لا تغرب الشمس عن أملاكها) وعاشت برغم هذا أطول عمر عاشته أمة في التاريخ بلغ مئين السنين - أظننا وتلك أمة هذه عظمتها وهذا شأنها لا نعجب إن رأينا برلمانها - وهو ما هو - يجتمع مرات مستدعياً رجال الدين والرأي من أطراف البلاد وأقاصيها مع الساسة لأن روايةخليعة تمثل على المسرح أو الشاشة وللبلد دين وتقاليد! وعلى هدى إنجلترا تحاول الدول التي منها امتدت جرثومة الفساد إلى سائر البقاع والتي جاوزت جميع المقاييس في التهتك والفجور والإباحية والتفنن في ذلك إلى حد جعل بعض العقلاء يلقبها بمومس العالم أو مزبلة الرذيلة، وفي اللحظة الأخيرة وجدنا هذه الدول تثوب إلى رشدها وترجع إلى الدين للمرة الأولى منذ العصور الوسطى التي يقولون، لأنه المنقذ الوحيد من الشر الذي ثار غباره في الفق.
وليس ببعيد ذلك الذي صرح به الوزير الفرنسي الجديد يوم أن أشار إلى أن معظم الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعانيها فرنسا الآن إنما ترجع إلى الانهيار الخلقي واستشراء وباء الفسوق في تلك البلاد. ولقد تجاوب صدى هذه الدعوة في دول أخرى مماثلة، ورأينا - ونحن نكتب هذه السطور - إيطاليا نعم إيطاليا، يقرر مجلس (شيوخها) إلغاء البغاء في جميع البلاد الإيطالية بأغلبية مشرفة! أجل! تعود الأمم الأبية التي تريد الحياة الحرة إلى الدين منقذ الإنسانية الأمين لأنها أشرفت على الفناء ولابد لها من ذلك طائعة أو مكرهة لأن الحياة أهم من كل اعتبار آخر. وإن في هذه العودة وفي مناداة الشيوخ الإنجليز وأتباع الإنجليز في أحرج أوقاتهم هذه إلى التمسك بذاك المبدأ لدرساً جليلاً يلقيه أولئك الشيوخ الكبار وهم أعرف الناس بسره.
فهل تنتفع به الأمم الصغيرة وتستغله - لا في الحيز الضيق الذي يريد الشيوخ القضاء عليه وهو الشيوعية وحدها - ولكن في الحيز العام الذي يشمل الشيوعية وغير الشيوعية من صور العدوان والاستعمار جميعاً. نرجو ذلك كما نرجو أن تطغى نخوة السيادة ونزعة البقاء فينا على كل طمع أو تكاسل أو نسيان!!! إبراهيم البطراوي

شارك الخبر

المرئيات-١