حول الفقه الإسلامي والفقه الروماني
للأستاذ صالح بن علي الحامد العلوي
قرأت ما كتبتم ردًا على مقالي عن الفقه الإسلامي والروماني وأشكركم على حسن ما ظننتم بي من الغيرة الدينية وجميل الأدب في النقاش. وبما أنك أيها الأستاذ قد تنكبت في ردك جوهر الموضوع في مقالي إلى ناحية أسلوب التفكير وصحة الانتقال والاستنتاج - كما عبرت - مكتفيًا ببيان أنك قد أطلعت على الموضوع نفسه وأنه قد نشر في مصر - وربما بنصه - منذ ربع قرن مضى الخ، وقلت إنك قرأته ولا تزال تذكره جيدًا ومع ذلك قلت فيما قلت عن تأثر الأوزاعي بالفقه الروماني الخ.
فإني أقول لك - على تسليم ما ذكرت -: إني لم أكتب ما كتبت متهمًا لك في معارفك ومعلوماتك، ولا لأن أقنعك أنت وحدك فقط دون الجم الغفير من قراء (الرسالة) الغراء الذين قد قرأوا ولا شك رأيك ورأي غيرك في الموضوع إلا لما كان الأمر في حاجة إلى نشره في صحيفة سيارة كا (لرسالة)، فالأمر قد صار أعم من أن يختص بي أو بك. أفليس من اللازم أن تجيب - ولو بإيجاز عن كل ما كتبت ونبسط للقراء رأيك مدعمًا ببراهين لا تنقص - على الأقل - عن براهين مناظرك، وبذلك تكون قد أنرت السبيل للقراء لأن يهتدوا برأيك ويتفقوا معك على تأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني. وإلا فلا معنى لأن تفتح باب البحث مختارًا، ثم إذا دعيت إلى بسطه عمدت إلى سده متعللًا بضيق الوقت.
لا يا أستاذ! إن الوقت الذي تعتذر بضيقه الآن قد أتسع لدرس علوم وفنون وصنائع قد ضاق عن أقلها الزمن الماضي، فلماذا يضيق ذرعًا بالخوض في هذا البحث وحده؟
وإذا كان قراء الصحف الأسبوعية لا ينشطون للمناقشة الفنية كما قلت فإني اجل قراء (الرسالة) بخاصة عن ذلك فالرسالة في اعتقادي هي الصحيفة الأسبوعية الجدية الوحيدة التي ينبغي أن تضطلع برسالة العلم - كما يعبر اليوم - والأدب والفن، وارى أن قراءها كذلك يمتازون من قراء غيرها من الصحف على أن الصحيفة الراقية هي التي ترفع قراءها إليها لا التي تنزل إليهم والآن اخذ في ذكر ملاحظاتك على مقالي والرد عليها.
وابدأ أولًا بأخذك عليَّ قولي: إن الأخذ والتأثر يجريان إلى مدى واحد بقولك: (إن التأثر قد يكون سلبيًا صرفًا، ثم استشهادك لذلك بان الوثنية العربية قد أثرت في الإسلام في تحريم التصوير والنحت الخ، والحق أيها الأديب أن تحريم التصوير ليس من موضوعنا في شيء، وليس إلا من باب سد الذرائع وهي القاعدة المعمول بها في الإسلام ولا تزال أصلًا في مذهب مالك؛ ومن أمثلة ذلك في الإسلام تحريم آلات اللهو سدًا للذريعة في تعاطي الخمر، وضرب الحجاب على المرأة للذريعة في افتتان الرجل بها، كالعكس إلى غير ذلك، فلماذا أيها الأستاذ لا تجعل تلك من هذه؟ ولا تكون في حاجة لتكلف هذا التأثير السلبي غير المفهوم، اللهم إلا إذا كان كتأثير الشيء بضده في ظهوره ووضوحه عند المقابلة كالبياض مع السواد فيكون هذا من باب: وبضدها تتبين الأشياء
ثم اني أخشى أن يعد ما قلته أيها الأستاذ خطوة في التهرب من الموضوع والتملص منه، ذلك لان اصل البحث الذي نحن فيه انه وجد في الفقه الروماني تشابه مع الفقه الإسلامي فهم منه البعض وجود علاقة بين الفقهين، فادعى كولدزهير ومن قلده تأثر الفقه الإسلامي بالروماني، فقلنا كما قال غيرنا أيضًا: إن الأحرى والأنهض بالدليل أن يكون الروماني هو المتأثر. هذا هو حاصل الموضوع، فلو سلمنا صحة تقسيم التأثير إلى إيجابي وسلبي كما قلت أيها الأستاذ فما السلبي مما نحن فيه في قليل ولا كثير. وإذا كنت ترى تأثر الفقهاء بالفقه الروماني إنما هو تأثير سلبي بهذا المعنى فقد لا يبقى بيننا ما يستوجب النزاع والمناقشة
(2) وقلت أيها الأستاذ عند قولي: إن الإسلام في ذاته جاء خارقًا لقاعدة البيئة والثقافة، إذ قام به النبي محمد ﷺ، وهو النبي الأمي الذي نشأ ابعد الناس عن أن يطلع على قانون روماني أو حكمة منقولة، وإني بهذا الدين الأقدس مناقضًا كل المناقضة لما عليه قومه.
الخ. قلت: (إن هذا القول غريب من.
لأنه لا يصح إلا على تقدير أن هذا الدين من صنيع الرسول نفسه وهو أمي.
الخ فعمله ناقض لقاعدة البيئة والثقافة، أما على أن الإسلام كما في حقيقته وحي إلهي فلا يستقيم هذا التمثيل مطلقًا في نقض قاعدة البيئة والثقافة الخ).
فلولا حسن ظني بسلامة نيتك أيها الأستاذ لعددت هذا منك مغالطة غير سائغة من مثلك؛ ذلك لأني لم أقل فيما كتبت إن الإسلام بظهوره بهذه الصفة ناقض لقاعدة البيئة والثقافة قط، ولكني قلت: إن الإسلام في ذاته خارق لها، لأنه دين سماوي ووحي إلهي لا تتحكم فيه بيئة ولا تؤثر عليه ثقافة؛ على أن قولي خارق أحرى بأن يفهم منه إثبات قاعدة البيئة والثقافة؛ لأن الخارق ما خرق العادة وخالف مقتضاها، والغرض مما قلت بيان أن الإسلام في فقهه وعقائده وعباداته لا يتطرق إليه تأثير البيئة والثقافة، لأنه في كل ذلك جاء خارقًا لقانونها، ولم أقل قط إن الإسلام ناقض لقاعدة البيئة والثقافة كما فهمت أيها الأستاذ، بل قلت: إنه خارق؛ وفرق بين مدلولي اللفظين، فليشهد القراء وليحكموا!
(3) وقلت أيها الأستاذ عند قولي: إن الشريعة الإسلامية وجدت كاملة دفعة، أو بعبارة أصح جاءت في زمن واحد.
الخ (إن هذه العبارة أوضح من أن تحتاج مخالفتها إلى دليل). فلماذا أيها الأديب الفاضل؟ فهل كنت تنكر أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يمت إلا وقد تركنا على المحجة البيضاء، حتى ترى أن بعض الشريعة لم يوجد إلا بعد زمنه؟ ألم يقل الله جل ذكره في كتابه العزيز: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي)؟ ويقول أبن عباس السدي في تفسيرها: إن المعنى اليوم أكملت لكم حدودي وفرائضي وحلالي وحرامي تنزيل ما أنزلت وتبيين ما بينت لكم، فلا زيادة في ذلك ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم؟ حتى غال بعض نفاة القياس فأحتج بها على إنكاره.
(4) ثم ذكرت أيها الأستاذ قولي: وهيأ لنا شريعة كاملة، وقانونًا ربانيًا منظمًا يصلح لأن يطبق على أي جيل وعلى أية أمة، ولم يزد فيه الفقهاء شيئًا قط إلا تصنيفه ونقله.
إلخ، فقلت: (إن هذا الكلام ليس أحسن حالًا من سابقه، فالفقهاء قد فهموا وطبقوا واستنتجوا واستنبطوا.
الخ) ونحن لا ننكر هذا، وعبارتي لا تفيد نفيه إذ لست ظاهريًا، وقد شاء قلمك أيها الأديب أن يقتضب من عبارتي ما شاء فقط، وإلا ففي آخر الفقرة بيان المراد، فقد قلت في آخرها إنهم (أعني الفقهاء) فيما لم يجدوا فيه نصًا صريحًا يطبقونه على قواعده الأساسية، وهذا هو معنى الفهم والاستنباط، ولا يقال له زيادة ولا تعارض في العبارة، لأن المراد بما لم يزد فيه الفقهاء شيئًا أصوله وقواعده الأساسية، وهي التي لم يلحق المشرع الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى إلا وقد تركنا منها على سبيل واضح وقانون رباني منظم وشريعة كاملة، فيحسن أن نقول هنا إننا والأستاذ الفاضل على خطة اتفاق.
(5) وقلت أيها الأستاذ إن قولي (.
والنصوص الفقهية كلها صريحة بينة الأغراض واضحة المرامي، يناقضه قولي في القرآن: على إن الاختلاف في تفسيره ليس إلا لإيجازه المعجز مع بعد مراميه الغيبية، وقلت: (إن هذا الإيجاز المعجز لم يفت آيات الإحكام كذلك وبعد المرامي يشملها. وجوابي عليك أن آيات الإحكام قد جاءت مفسرة بالسنة إلا ما ندر منها كآية الربا، فلم يبق مجال للاختلاف فيما أوضحه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما يمكن أن يكون في غيره مما لم يفسر بالسنة، وبهذا يتضح الفرق بين أدلة الإحكام والتفسير المختلف فيه، ويصح به لنا القول بألا يقاس بالفقه التفسير، وحسبك دليلًا على الفرق بين فهم الكتاب وفهم السنة ما صنع الإمام علي كرم الله وجهه عند إرساله ابن عباس رضي الله عنهما لجدال الخوارج، إذ أمره أن يتوخى جدالهم بالسنة حرصًا على إلا يخطئوا في فهم القرآن وتأويله، وما ذاك إلا لما ذكرنا.
(6) وتقول أيها الأستاذ (وإذا كانت النصوص صريحة بينة الأغراض ففيم أختلف فقهاء المذاهب الكثيرة المتعددة الخ.
وأقول لك إن سبب الخلاف بين فقهاء المذاهب ليس اختلاف البيئة والثقافة مع غموض الأدلة، ولكن السبب الأكبر هو اختلاف علمهم بالأدلة أولًا، ثم تفاوت مراتبها عندهم قوة وضعفًا، وقد كانت السنة آنئذ تتلقى من أفواه الشيوخ. وقد يبلغ الفقيه حديث لم يبلغ الآخر، أو يكون هذا سمعه بطريقة أقوى من طريق الآخر، وهذا عندي السبب الأكبر في اختلاف الفقهاء.
ولذلك قال الشافعي إذا صح الحديث فهو مذهبي. ونحن لا ننكر اختلاف الأفهام في الاستنباط أصالةً، ولكنا ننكر لزوم أن يكون ذلك من آثار البيئة والثقافة، فاختلاف الإفهام جار حتى بين أبناء المدرسة الواحدة والبيئة الواحدة كما هو مشاهد، فلا يصلح دليلًا لتأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني.
(7) واستطرفت أيها الأستاذ الأديب تمثيلي للصراحة بقولنا مثلًا لا تكذب قائلًا: (إن هذه المسألة على وضوحها الشديد محل خلاف تعدى إلى كتب البلاغة) والكلام إنما هو تمثيل للصراحة لغة، وفرق بين رسوم الألفاظ وحدودها المنطقية وبين صرائح مؤدياتها اللغوية.
ثم إني لم أمثل بهذا إلا توضيحًا لكون الكلام العربي الصريح لا يختلف معناه على حسب الأزمان والبيئات؛ ويدل على هذا قولي بعد ذلك: وأرى أننا لو نقلنا خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع مثلًا ونشرناها اليوم لما فهم منها، أي إجمالًا، من يعرف مدلولات الكلام العربي من مثقفي اليوم إلا ما فهمه عشرات الألوف من المسلمين حينما خطبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك الموقف الرهيب قبل ثلاثة عشر قرنًا ونصف).
وهذه ميزة للغة الضاد يجب ذكرها على حين أن بعض اللغات سواها قد تغيرت وتطورت تطورًا كاد يجعلها مقطوعة الصلة بينها وبين ماضيها قبل مائتي سنة.
(8) وأما استغرابك لقولنا إن أغلب النصوص الفقهية من السنة، فيذهب إذا علمت إن آيات الأحكام جاءت جلها إن لم نقل كلها مفسرة موضحة بالسنة، فالسنة مع كونها مصدرًا خاصًا لبعض الأحكام فهي في بعض واسطة بين الكتاب وبين الفقهاء في فهم آيات الأحكام، وبهذا تعلم أغلبية الأدلة الفقيهة التي من السنة وإن كان أغلبها في الحقيقة تفسير ما أجمل الكتاب، وهذا معنى التبيين في قوله تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما أنزل إليهم) آية.
(9) ثم قلت أيها الفاضل مستدلًا على تأثر الأوزاعي بالفقه الروماني: (إن الرومانية حكمت الشام قطعًا، وكان ذلك الحكم لقرون كثيرة قطعًا، وكانت الدولة الرومانية وحكمها الشام قبل الإسلام قطعًا.
ثم قلت وكان الإسلام هو الذي خلف على ذلك بلا شك، وكان لهذا على طول الزمن أثره الذي تختلف به الشام عن الحجاز مثلًا، ولا بد والأوزاعي أبن هذه البيئة الحديثة العهد بهذه الحال الرومانية فلتلك البيئة وهاتيك الثقافية وأثرهما المحتوم في تكوين الأوزاعي الخ. فلو سلمنا جدلًا بصلاحية الفقه الإسلامي وقبوله للتأثر بالبيئة والثقافة كما تعتقد أيها الأستاذ الفاضل، فالشام لم يفتح في عهد الأوزاعي ولكنه فتح في عهد عمر رضي الله عنه، والأوزاعي - وهو من تابعي التابعين، ومن الطبقة السابعة من الرواة، ومن أهل القرن الثاني - لم يأت إلا وقد أنصرم، أو كاد ينصرم بعد رسوخ الإسلام في الشام جيل كامل. ثم إن الإسلام من شأنه أنه لم يفتح بلادًا وتطأها أقدام جنوده الأبطال إلا وينقل إليها معه حضارته وآدابه وأحكامه، وأصرح من ذلك أن أقول إن الإسلام لم يفتح البلاد ويتولى الشعوب إلا لينسخ أديانًا ويقر مكانها دينًا واحدًا، ويهدم قوانين ويبني بدلها قانونًا جديدًا مفردًا، ويجتث حضارات ويغرس محلها حضارة واحدة؛ فالإسلام لم يفتح أرضًا ولم يحكم شعبًا إلا ليؤثر فيه - يا مولاي الأستاذ - لا ليتأثر به.
وقد تولى الإسلام الشام منذ عهد الخليفة الثاني وأسبغ عليه من روحه وثقافته وتعاليمه حتى غدا إسلاميًا صبغةً وروحًا، ومضى على ذلك زمن، ولم يأت الأوزاعي إلا والشام في دينه وروحه وثقافته إسلامي صرف، ولم يبق به من ثقافة الرومان عين ولا أثر. فالأوزاعي وليد بيئة إسلامية وثقافة إسلامية، فتسرب الثقافة الرومانية إليه بعد أن اندثرت وسحب الدهر عليها ذيل النسيان وحل محلها ما هو خير ثقافة وأعدل حكما - من البعد بحيث لا يستسيغه عقل المتثبت الحازم.
(10) والعجيب أيها الأستاذ الفاضل أنك في آخر ردك على مقالي قلت لا أدع منه عبارة ختامية تلك هي.
إن الفقه الروماني جديد لفقه جماعة من العلماء وتحقق أنهم أخذوه من الفقه الإسلامي، وهذا ما يجب إلا يعتقد خلافه كل مسلم، قائلًا بل أقول.
لسنا في شيء من المطالبة بهذه العقيدة في الفقه الروماني، فليست أصول الإسلام ستة، تلك الخمسة المعروفة ثم سرقة الفقه الروماني من الفقه الإسلامي الخ).
ولا أدري ماذا أردت بأصول الإسلام الخمسة؟ فإن كنت تريد بها أركانه التي أولها الشهادتان وآخرها الحج، فالاستنتاج عجيب، لأنني لم أقل إن هذا الاعتقاد ركن من أركان الإسلام، بل غاية ما في الأمر إني قلت إنه واجب؛ وواجبات الإسلام يا مولاي الأستاذ أكثر من أن تكون ستًا أو ضعفها، فإذا ضممت إليها الواجبات الاعتقادية والأعمال والتروك صارت أكثر من أن تحصر! فبأي منطق استنتجت من قولي ما لم أقله، وألزمتني على هذا القول بأن أصول الإسلام ستة؟ ولا يفوتني هنا أن أقول لك أيها الأستاذ إن أدبك الجم قد سمح لك أن تنصحني بأن أعدل رأيي في هذه الأشياء قبل أن أهتم بمسألة الفقه الروماني وأخذه أصوله من الفقه الإسلامي أو تأثر الفقه الإسلامي فتلك مسائل متأخرة، ولكني هنا لم يطاوعني أدبي معك - مهما كان بالنسبة إلى أدبك - أن أقول لك مقال الناصح المشفق إنه يحسن أن تصلح منطقك أولًا قبل التعرض لتطبيقه على مثل هذه الأمور.
وفي الختام أقول لك إنه ليس من الخير أن يتذرع الكاتب للتغلب على مناظره بتحقيره أو مغالطته، وأعتقد أنك أعلم بأدب الحوار والمناقشة من أن أنبهك إليه والسلام عليك.
سنغافوره صالح بن علي الحامد العلوي
حول الفقه الإسلامي والفقه الروماني
للأستاذ صالح بن علي الحامد العلوي
قرأت ما كتبتم ردًا على مقالي عن الفقه الإسلامي والروماني وأشكركم على حسن ما ظننتم بي من الغيرة الدينية وجميل الأدب في النقاش. وبما أنك أيها الأستاذ قد تنكبت في ردك جوهر الموضوع في مقالي إلى ناحية أسلوب التفكير وصحة الانتقال والاستنتاج - كما عبرت - مكتفيًا ببيان أنك قد أطلعت على الموضوع نفسه وأنه قد نشر في مصر - وربما بنصه - منذ ربع قرن مضى الخ، وقلت إنك قرأته ولا تزال تذكره جيدًا ومع ذلك قلت فيما قلت عن تأثر الأوزاعي بالفقه الروماني الخ.
فإني أقول لك - على تسليم ما ذكرت -: إني لم أكتب ما كتبت متهمًا لك في معارفك ومعلوماتك، ولا لأن أقنعك أنت وحدك فقط دون الجم الغفير من قراء (الرسالة) الغراء الذين قد قرأوا ولا شك رأيك ورأي غيرك في الموضوع إلا لما كان الأمر في حاجة إلى نشره في صحيفة سيارة كا (لرسالة)، فالأمر قد صار أعم من أن يختص بي أو بك. أفليس من اللازم أن تجيب - ولو بإيجاز عن كل ما كتبت ونبسط للقراء رأيك مدعمًا ببراهين لا تنقص - على الأقل - عن براهين مناظرك، وبذلك تكون قد أنرت السبيل للقراء لأن يهتدوا برأيك ويتفقوا معك على تأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني. وإلا فلا معنى لأن تفتح باب البحث مختارًا، ثم إذا دعيت إلى بسطه عمدت إلى سده متعللًا بضيق الوقت.
لا يا أستاذ! إن الوقت الذي تعتذر بضيقه الآن قد أتسع لدرس علوم وفنون وصنائع قد ضاق عن أقلها الزمن الماضي، فلماذا يضيق ذرعًا بالخوض في هذا البحث وحده؟
وإذا كان قراء الصحف الأسبوعية لا ينشطون للمناقشة الفنية كما قلت فإني اجل قراء (الرسالة) بخاصة عن ذلك فالرسالة في اعتقادي هي الصحيفة الأسبوعية الجدية الوحيدة التي ينبغي أن تضطلع برسالة العلم - كما يعبر اليوم - والأدب والفن، وارى أن قراءها كذلك يمتازون من قراء غيرها من الصحف على أن الصحيفة الراقية هي التي ترفع قراءها إليها لا التي تنزل إليهم والآن اخذ في ذكر ملاحظاتك على مقالي والرد عليها.
وابدأ أولًا بأخذك عليَّ قولي: إن الأخذ والتأثر يجريان إلى مدى واحد بقولك: (إن التأثر قد يكون سلبيًا صرفًا، ثم استشهادك لذلك بان الوثنية العربية قد أثرت في الإسلام في تحريم التصوير والنحت الخ، والحق أيها الأديب أن تحريم التصوير ليس من موضوعنا في شيء، وليس إلا من باب سد الذرائع وهي القاعدة المعمول بها في الإسلام ولا تزال أصلًا في مذهب مالك؛ ومن أمثلة ذلك في الإسلام تحريم آلات اللهو سدًا للذريعة في تعاطي الخمر، وضرب الحجاب على المرأة للذريعة في افتتان الرجل بها، كالعكس إلى غير ذلك، فلماذا أيها الأستاذ لا تجعل تلك من هذه؟ ولا تكون في حاجة لتكلف هذا التأثير السلبي غير المفهوم، اللهم إلا إذا كان كتأثير الشيء بضده في ظهوره ووضوحه عند المقابلة كالبياض مع السواد فيكون هذا من باب: وبضدها تتبين الأشياء
ثم اني أخشى أن يعد ما قلته أيها الأستاذ خطوة في التهرب من الموضوع والتملص منه، ذلك لان اصل البحث الذي نحن فيه انه وجد في الفقه الروماني تشابه مع الفقه الإسلامي فهم منه البعض وجود علاقة بين الفقهين، فادعى كولدزهير ومن قلده تأثر الفقه الإسلامي بالروماني، فقلنا كما قال غيرنا أيضًا: إن الأحرى والأنهض بالدليل أن يكون الروماني هو المتأثر. هذا هو حاصل الموضوع، فلو سلمنا صحة تقسيم التأثير إلى إيجابي وسلبي كما قلت أيها الأستاذ فما السلبي مما نحن فيه في قليل ولا كثير. وإذا كنت ترى تأثر الفقهاء بالفقه الروماني إنما هو تأثير سلبي بهذا المعنى فقد لا يبقى بيننا ما يستوجب النزاع والمناقشة
(2) وقلت أيها الأستاذ عند قولي: إن الإسلام في ذاته جاء خارقًا لقاعدة البيئة والثقافة، إذ قام به النبي محمد ﷺ، وهو النبي الأمي الذي نشأ ابعد الناس عن أن يطلع على قانون روماني أو حكمة منقولة، وإني بهذا الدين الأقدس مناقضًا كل المناقضة لما عليه قومه. . . الخ. قلت: (إن هذا القول غريب من. . . لأنه لا يصح إلا على تقدير أن هذا الدين من صنيع الرسول نفسه وهو أمي. . . الخ فعمله ناقض لقاعدة البيئة والثقافة، أما على أن الإسلام كما في حقيقته وحي إلهي فلا يستقيم هذا التمثيل مطلقًا في نقض قاعدة البيئة والثقافة الخ).
فلولا حسن ظني بسلامة نيتك أيها الأستاذ لعددت هذا منك مغالطة غير سائغة من مثلك؛ ذلك لأني لم أقل فيما كتبت إن الإسلام بظهوره بهذه الصفة ناقض لقاعدة البيئة والثقافة قط، ولكني قلت: إن الإسلام في ذاته خارق لها، لأنه دين سماوي ووحي إلهي لا تتحكم فيه بيئة ولا تؤثر عليه ثقافة؛ على أن قولي خارق أحرى بأن يفهم منه إثبات قاعدة البيئة والثقافة؛ لأن الخارق ما خرق العادة وخالف مقتضاها، والغرض مما قلت بيان أن الإسلام في فقهه وعقائده وعباداته لا يتطرق إليه تأثير البيئة والثقافة، لأنه في كل ذلك جاء خارقًا لقانونها، ولم أقل قط إن الإسلام ناقض لقاعدة البيئة والثقافة كما فهمت أيها الأستاذ، بل قلت: إنه خارق؛ وفرق بين مدلولي اللفظين، فليشهد القراء وليحكموا!
(3) وقلت أيها الأستاذ عند قولي: إن الشريعة الإسلامية وجدت كاملة دفعة، أو بعبارة أصح جاءت في زمن واحد. . . الخ (إن هذه العبارة أوضح من أن تحتاج مخالفتها إلى دليل). فلماذا أيها الأديب الفاضل؟ فهل كنت تنكر أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يمت إلا وقد تركنا على المحجة البيضاء، حتى ترى أن بعض الشريعة لم يوجد إلا بعد زمنه؟ ألم يقل الله جل ذكره في كتابه العزيز: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي)؟ ويقول أبن عباس السدي في تفسيرها: إن المعنى اليوم أكملت لكم حدودي وفرائضي وحلالي وحرامي تنزيل ما أنزلت وتبيين ما بينت لكم، فلا زيادة في ذلك ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم؟ حتى غال بعض نفاة القياس فأحتج بها على إنكاره.
(4) ثم ذكرت أيها الأستاذ قولي: وهيأ لنا شريعة كاملة، وقانونًا ربانيًا منظمًا يصلح لأن يطبق على أي جيل وعلى أية أمة، ولم يزد فيه الفقهاء شيئًا قط إلا تصنيفه ونقله. . . إلخ، فقلت: (إن هذا الكلام ليس أحسن حالًا من سابقه، فالفقهاء قد فهموا وطبقوا واستنتجوا واستنبطوا. . . الخ) ونحن لا ننكر هذا، وعبارتي لا تفيد نفيه إذ لست ظاهريًا، وقد شاء قلمك أيها الأديب أن يقتضب من عبارتي ما شاء فقط، وإلا ففي آخر الفقرة بيان المراد، فقد قلت في آخرها إنهم (أعني الفقهاء) فيما لم يجدوا فيه نصًا صريحًا يطبقونه على قواعده الأساسية، وهذا هو معنى الفهم والاستنباط، ولا يقال له زيادة ولا تعارض في العبارة، لأن المراد بما لم يزد فيه الفقهاء شيئًا أصوله وقواعده الأساسية، وهي التي لم يلحق المشرع الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى إلا وقد تركنا منها على سبيل واضح وقانون رباني منظم وشريعة كاملة، فيحسن أن نقول هنا إننا والأستاذ الفاضل على خطة اتفاق.
(5) وقلت أيها الأستاذ إن قولي (. . . والنصوص الفقهية كلها صريحة بينة الأغراض واضحة المرامي، يناقضه قولي في القرآن: على إن الاختلاف في تفسيره ليس إلا لإيجازه المعجز مع بعد مراميه الغيبية، وقلت: (إن هذا الإيجاز المعجز لم يفت آيات الإحكام كذلك وبعد المرامي يشملها. وجوابي عليك أن آيات الإحكام قد جاءت مفسرة بالسنة إلا ما ندر منها كآية الربا، فلم يبق مجال للاختلاف فيما أوضحه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما يمكن أن يكون في غيره مما لم يفسر بالسنة، وبهذا يتضح الفرق بين أدلة الإحكام والتفسير المختلف فيه، ويصح به لنا القول بألا يقاس بالفقه التفسير، وحسبك دليلًا على الفرق بين فهم الكتاب وفهم السنة ما صنع الإمام علي كرم الله وجهه عند إرساله ابن عباس رضي الله عنهما لجدال الخوارج، إذ أمره أن يتوخى جدالهم بالسنة حرصًا على إلا يخطئوا في فهم القرآن وتأويله، وما ذاك إلا لما ذكرنا.
(6) وتقول أيها الأستاذ (وإذا كانت النصوص صريحة بينة الأغراض ففيم أختلف فقهاء المذاهب الكثيرة المتعددة الخ.
وأقول لك إن سبب الخلاف بين فقهاء المذاهب ليس اختلاف البيئة والثقافة مع غموض الأدلة، ولكن السبب الأكبر هو اختلاف علمهم بالأدلة أولًا، ثم تفاوت مراتبها عندهم قوة وضعفًا، وقد كانت السنة آنئذ تتلقى من أفواه الشيوخ. وقد يبلغ الفقيه حديث لم يبلغ الآخر، أو يكون هذا سمعه بطريقة أقوى من طريق الآخر، وهذا عندي السبب الأكبر في اختلاف الفقهاء.
ولذلك قال الشافعي إذا صح الحديث فهو مذهبي. ونحن لا ننكر اختلاف الأفهام في الاستنباط أصالةً، ولكنا ننكر لزوم أن يكون ذلك من آثار البيئة والثقافة، فاختلاف الإفهام جار حتى بين أبناء المدرسة الواحدة والبيئة الواحدة كما هو مشاهد، فلا يصلح دليلًا لتأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني.
(7) واستطرفت أيها الأستاذ الأديب تمثيلي للصراحة بقولنا مثلًا لا تكذب قائلًا: (إن هذه المسألة على وضوحها الشديد محل خلاف تعدى إلى كتب البلاغة) والكلام إنما هو تمثيل للصراحة لغة، وفرق بين رسوم الألفاظ وحدودها المنطقية وبين صرائح مؤدياتها اللغوية.
ثم إني لم أمثل بهذا إلا توضيحًا لكون الكلام العربي الصريح لا يختلف معناه على حسب الأزمان والبيئات؛ ويدل على هذا قولي بعد ذلك: وأرى أننا لو نقلنا خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع مثلًا ونشرناها اليوم لما فهم منها، أي إجمالًا، من يعرف مدلولات الكلام العربي من مثقفي اليوم إلا ما فهمه عشرات الألوف من المسلمين حينما خطبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك الموقف الرهيب قبل ثلاثة عشر قرنًا ونصف).
وهذه ميزة للغة الضاد يجب ذكرها على حين أن بعض اللغات سواها قد تغيرت وتطورت تطورًا كاد يجعلها مقطوعة الصلة بينها وبين ماضيها قبل مائتي سنة.
(8) وأما استغرابك لقولنا إن أغلب النصوص الفقهية من السنة، فيذهب إذا علمت إن آيات الأحكام جاءت جلها إن لم نقل كلها مفسرة موضحة بالسنة، فالسنة مع كونها مصدرًا خاصًا لبعض الأحكام فهي في بعض واسطة بين الكتاب وبين الفقهاء في فهم آيات الأحكام، وبهذا تعلم أغلبية الأدلة الفقيهة التي من السنة وإن كان أغلبها في الحقيقة تفسير ما أجمل الكتاب، وهذا معنى التبيين في قوله تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما أنزل إليهم) آية.
(9) ثم قلت أيها الفاضل مستدلًا على تأثر الأوزاعي بالفقه الروماني: (إن الرومانية حكمت الشام قطعًا، وكان ذلك الحكم لقرون كثيرة قطعًا، وكانت الدولة الرومانية وحكمها الشام قبل الإسلام قطعًا. . . ثم قلت وكان الإسلام هو الذي خلف على ذلك بلا شك، وكان لهذا على طول الزمن أثره الذي تختلف به الشام عن الحجاز مثلًا، ولا بد والأوزاعي أبن هذه البيئة الحديثة العهد بهذه الحال الرومانية فلتلك البيئة وهاتيك الثقافية وأثرهما المحتوم في تكوين الأوزاعي الخ. فلو سلمنا جدلًا بصلاحية الفقه الإسلامي وقبوله للتأثر بالبيئة والثقافة كما تعتقد أيها الأستاذ الفاضل، فالشام لم يفتح في عهد الأوزاعي ولكنه فتح في عهد عمر رضي الله عنه، والأوزاعي - وهو من تابعي التابعين، ومن الطبقة السابعة من الرواة، ومن أهل القرن الثاني - لم يأت إلا وقد أنصرم، أو كاد ينصرم بعد رسوخ الإسلام في الشام جيل كامل. ثم إن الإسلام من شأنه أنه لم يفتح بلادًا وتطأها أقدام جنوده الأبطال إلا وينقل إليها معه حضارته وآدابه وأحكامه، وأصرح من ذلك أن أقول إن الإسلام لم يفتح البلاد ويتولى الشعوب إلا لينسخ أديانًا ويقر مكانها دينًا واحدًا، ويهدم قوانين ويبني بدلها قانونًا جديدًا مفردًا، ويجتث حضارات ويغرس محلها حضارة واحدة؛ فالإسلام لم يفتح أرضًا ولم يحكم شعبًا إلا ليؤثر فيه - يا مولاي الأستاذ - لا ليتأثر به.
وقد تولى الإسلام الشام منذ عهد الخليفة الثاني وأسبغ عليه من روحه وثقافته وتعاليمه حتى غدا إسلاميًا صبغةً وروحًا، ومضى على ذلك زمن، ولم يأت الأوزاعي إلا والشام في دينه وروحه وثقافته إسلامي صرف، ولم يبق به من ثقافة الرومان عين ولا أثر. فالأوزاعي وليد بيئة إسلامية وثقافة إسلامية، فتسرب الثقافة الرومانية إليه بعد أن اندثرت وسحب الدهر عليها ذيل النسيان وحل محلها ما هو خير ثقافة وأعدل حكما - من البعد بحيث لا يستسيغه عقل المتثبت الحازم.
(10) والعجيب أيها الأستاذ الفاضل أنك في آخر ردك على مقالي قلت لا أدع منه عبارة ختامية تلك هي. . . إن الفقه الروماني جديد لفقه جماعة من العلماء وتحقق أنهم أخذوه من الفقه الإسلامي، وهذا ما يجب إلا يعتقد خلافه كل مسلم، قائلًا بل أقول. . . لسنا في شيء من المطالبة بهذه العقيدة في الفقه الروماني، فليست أصول الإسلام ستة، تلك الخمسة المعروفة ثم سرقة الفقه الروماني من الفقه الإسلامي الخ).
ولا أدري ماذا أردت بأصول الإسلام الخمسة؟ فإن كنت تريد بها أركانه التي أولها الشهادتان وآخرها الحج، فالاستنتاج عجيب، لأنني لم أقل إن هذا الاعتقاد ركن من أركان الإسلام، بل غاية ما في الأمر إني قلت إنه واجب؛ وواجبات الإسلام يا مولاي الأستاذ أكثر من أن تكون ستًا أو ضعفها، فإذا ضممت إليها الواجبات الاعتقادية والأعمال والتروك صارت أكثر من أن تحصر! فبأي منطق استنتجت من قولي ما لم أقله، وألزمتني على هذا القول بأن أصول الإسلام ستة؟ ولا يفوتني هنا أن أقول لك أيها الأستاذ إن أدبك الجم قد سمح لك أن تنصحني بأن أعدل رأيي في هذه الأشياء قبل أن أهتم بمسألة الفقه الروماني وأخذه أصوله من الفقه الإسلامي أو تأثر الفقه الإسلامي فتلك مسائل متأخرة، ولكني هنا لم يطاوعني أدبي معك - مهما كان بالنسبة إلى أدبك - أن أقول لك مقال الناصح المشفق إنه يحسن أن تصلح منطقك أولًا قبل التعرض لتطبيقه على مثل هذه الأمور.
وفي الختام أقول لك إنه ليس من الخير أن يتذرع الكاتب للتغلب على مناظره بتحقيره أو مغالطته، وأعتقد أنك أعلم بأدب الحوار والمناقشة من أن أنبهك إليه والسلام عليك.
سنغافوره صالح بن علي الحامد العلوي